قال البغوي: " حث على الإنفاق وإشعار بأنه لا يطلب منهم إلا بعض ما جعلهم مستخلفين فيه من رزقه ونعمه" (?).
وقال الأصمّ وأبو عليّ: "أراد النفقة في الجهاد" (?).
قال ابن عثيمين: "الإنفاق بمعنى البذل؛ والمراد به هنا بذل المال في طاعة الله، و {مِمَّا رَزَقْناكُمْ}، أي مما أعطيناكم؛ (من) يحتمل أن تكون بيانية؛ أو تبعيضية؛ والفرق بينهما أن البيانية لا تمنع من إنفاق جميع المال؛ لأنها بيان لموضع الإنفاق؛ والتبعيضية تمنع من إنفاق جميع المال؛ وبناءً على ذلك لا يمكن أن يتوارد المعنيان على شيء واحد لتناقض الحكمين." (?).
وقد اختلف أهل التفسير في نوع الإنفاق في الآية، على أوجه (?):
الأول: قال الحسن (?): هي الزكاة المفروضة.
قال الزمخشري: " أراد الإنفاق الواجب لاتصال الوعيد به" (?).
الثاني: وقال يحيى بن آدم: "هي الصدقة" (?).
الثالث: وقال ابن جريج (?) وسعيد بن جبير (?): هذه الآية تجمع الزكاة المفروضة والتطوع.
والراجح-والله أعلم- هو قول ابن جريج ومن وافقه، بأن الآية تجمع بين الزكاة والتطوع، واختاره ابن عطية، قائلا: "وهذا صحيح، فالزكاة واجبة والتطوع مندوب إليه وظاهر هذه الآية أنها مراد بها جميع وجوه البر من سبيل وصلة رحم ولكن ما تقدم من الآيات في ذكر القتال وأن الله يدفع بالمؤمنين في صدور الكافرين يترجح منه أن هذا الندب إنما هو في سبيل الله ويقوي ذلك قوله في آخر الآية {والكافرون هم الظالمون}، أي فكافحوهم بالقتال بالأنفس وإنفاق الأموال" (?).
قال القرطبي: "وعلى هذا التأويل يكون إنفاق الأموال مرة واجبا ومرة ندبا بحسب تعين الجهاد وعدم تعينه، وأمر تعالى عباده بالإنفاق مما رزقهم الله وأنعم به عليهم، وحذرهم من الإمساك إلى أن يجئ يوم لا يمكن فيه بيع ولا شراء ولا استدراك نفقة، كما قال: " {فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق} " (?).
قوله تعالى: {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ} [البقرة: 254]، " يعني: يوم القيامة" (?).
قال القاسمي: " {مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ}، هو يوم القيامة" (?).
قال الشوكاني: "أي: أنفقوا ما دمتم قادرين، من قبل أن يأتي ما لا يمكنكم الانفاق فيه" (?).
قوله تعالى: {لا بَيْعٌ فِيهِ} [البقرة: 254]، " أي: لا يباع أحد من نفسه ولا يفادى بمال لو بذله، ولو جاء بملء الأرض ذهبًا" (?).