قوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا} [البقرة: 253]، يعني: ولو أراد الله ما اقتتل الذين من بعد الرسل (?).
قال الراغب: أي "لو شاء الله ما اختلفوا وكانوا أمة واحدة، كقوله: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً} وقوله: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً} الآية" (?).
قال الشوكاني: " ولو شاء الله عدم اقتتالهم بعد هذا الاختلاف، ما اقتتلوا" (?).
قال الصابوني: " أي لو شاء الله لجعل البشر على طبيعة الملائكة لا يتنازعون ولا يقتتلون" (?).
قال السعدي: " فكان موجب هذا الاختلاف التفرق والمعاداة والمقاتلة، ومع هذا فلو شاء الله بعد هذا الاختلاف ما اقتتلوا، فدل ذلك على أن مشيئة الله نافذة غالبة للأسباب، وإنما تنفع الأسباب مع عدم معارضة المشيئة، فإذا وجدت اضمحل كل سبب، وزال كل موجب" (?).
قال أبو حيان: " {وَلَوْ شَاء اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا}، قيل: الجملة تكررت توكيداً للأولى، قاله الزمخشري (?).
وقيل: لا توكيد لاختلاف المشيئتين، فالأولى: ولو شاء الله أن يحول بينهم وبين القتال بأن يسلبهم القوى والعقول، والثانية: ولو شاء الله أن يأمر المؤمنين بالقتال، ولكن أمر وشاء أن يقتتلوا، وتعلق بهذه الآية مثبتو القدر ونافوه" (?).
قوله تعالى: {وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [البقرة: 253]، يعني" يوفق من يشاء فضلا ويخذل من يشاء عدلا" (?).
قال الطبري: "بأن يوفق هذا لطاعته والإيمان به فيؤمن به ويطيعه، ويخذل هذا فيكفر به ويعصيه" (?).
قال الزمخشري: " من الخذلان والعصمة" (?).
قال الشوكاني: "لا راد لحكمه ولا مبدل لقضائه فهو يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد" (?).
قال الصابوني: " ولكنّ الله حكيم يفعل ما فيه المصلحة، وكلُّ ذلك عن قضاء الله وقدره فهو الفعال لما يريد" (?).
قال السعدي: " فإرادته غالبة ومشيئته نافذة، وفي هذا ونحوه دلالة على أن الله تعالى لم يزل يفعل ما اقتضته مشيئته وحكمته، ومن جملة ما يفعله ما أخبر به عن نفسه وأخبر به عنه رسوله صلى الله عليه وسلم من الاستواء والنزول والأقوال، والأفعال التي يعبرون عنها بالأفعال الاختيارية" (?).
الفوائد:
1 - من فوائد الآية: أن الرسل عليهم السلام يتفاضلون؛ لقوله تعالى: {فضلنا بعضهم على بعض}.
2 - ومنها: أن فضل الله يؤتيه من يشاء؛ حتى خواص عباده يفضل بعضهم على بعض؛ لأن الرسل هم أعلى أصناف بني آدم، ومع ذلك يقع التفاضل بينهم بتفضيل الله.