والإتيان بالتابوت بعد فقده مشتملاً على بقايا من إرث آل موسى وآل هارون، وكونه تحمله الملائكة معاينة على ما نقل عن ترجمان القرآن ابن عباس، وذلك الابتلاء العظيم بالنهر في فصل القيظ والسفر، وإجابة من توكل على الله في النصرة، وقتل داود جالوت، وإيتاء الله إياه الملك والحكمة، فهذه كلها آيات عظيمة خوارق، تلاها الله على نبيه بالحق أي مصحوبة، بالحق لا كذب فيها ولا انتحال، ولا بقول كهنة، بل مطابقاً لما في كتب بني إسرائيل.
قلت: أن الثاني هو الأظهر، وعليه جمهور المفسرين، قال الشوكاني: "وآيات الله هي ما اشتملت عليه هذه القصة من الأمور المذكورة" (?).
قوله تعالى: {نَتْلُوها عَلَيْكَ} [البقرة: 252]، "أي ننزل عليك جبريل بها" (?).
قال ابن عثيمين: "نقرؤها عليك؛ والمراد تلاوة جبريل، كما قال تعالى: {نزل به الروح الأمين* على قلبك} [الشعراء: 193، 194] " (?).
قوله تعالى: {بِالْحَقِّ} [البقرة: 252]، "أي: اليقين الذي لا يرتاب فيه" (?).
قال ابن كثير: " أي: بالواقع الذي كان عليه الأمر، المطابق لما بأيدي أهل الكتاب من الحق الذي يعلمه علماء بني إسرائيل" (?).
قال الشوكاني: " والمراد {بالحق} هنا الخبر الصحيح الذي لا ريب فيه عند أهل الكتاب والمطلعين على أخبار العالم" (?).
قال الزمخشري: "باليقين الذي لا يشك فيه أهل الكتاب لأنه في كتبهم كذلك" (?).
قال السعدي: " أي: بالصدق الذي لا ريب فيها المتضمن للاعتبار والاستبصار وبيان حقائق الأمور" (?).
قال ابن عثيمين: " الحق في الأخبار: هو الصدق؛ وفي الأحكام: هو العدل؛ والباء إما للمصاحبة؛ أو لبيان ما جاءت به هذه الآيات؛ والمعنى أن هذه الآيات حق؛ وما جاءت به حق" (?).
قوله تعالى: {وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} [البقرة: 252]، أي: " إنك لمرسل متبع في طاعتي" (?).
قال الشوكاني: " إخبار من الله سبحانه بأنه من جملة رسل الله سبحانه تقوية لقلبه وتثبيتا لجنانه وتشييدا لأمره" (?).
قال الزمخشري: " حيث تخبر بها من غير أن تعرف بقراءة كتاب ولا سماع أخبار" (?).
والجملة مؤكدة بـ {إن}، واللام؛ لتحقيق رسالة النبي صلى الله عليه وسلم.
قال القرطبي: " نبه الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن هذه الآيات التي تقدم ذكرها لا يعلمها إلا نبي مرسل" (?).