وروي "عن قتادة: {قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين}، قال: تلقى المؤمنين، بعضهم أفضل من بعض جدا وعزما، وهم كلهم مؤمنون" (?).

وعن ابن عباس: " {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين}: فأثبت الله الإيمان لهؤلاء الذين قالوا: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله" (?). قال القرطبي: " وفي قولهم رضي الله عنهم: {كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ} الآية تحريض على القتال واستشعار للصبر واقتداء بمن صدق ربه.

قلت-أي القرطبي-: هكذا يجب علينا نحن أن نفعل؟ لكن الأعمال القبيحة والنيات الفاسدة منعت من ذلك حتى ينكسر العدد الكبير منا قدام اليسير من العدو كما شاهدناه غير مرة، وذلك بما كسبت أيدينا وفي البخاري: قال أبو الدرداء: إنما تقاتلون بأعمالكم. وفيه مسند أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "هل ترزقون وتنصرون إلا بضعفائكم". فالأعمال فاسدة والضعفاء مهملون والصبر قليل والاعتماد ضعيف والتقوى زائلة. قال الله تعالى: {اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ} [آل عمران: 200] وقال: {وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا} [المائدة: 23] وقال: {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل: 128] وقال: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ} [الحج: 40] وقال: {إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الأنفال: 45]. فهذه أسباب النصر وشروطه وهي معدومة عندنا غير موجودة فينا، فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما أصابنا وحل بنا! بل لم يبق من الإسلام إلا ذكره، ولا من الدين إلا رسمه لظهور الفساد ولكثرة الطغيان وقلة الرشاد حتى استولى العدو شرقا وغربا برا وبحرا، وعمت الفتن وعظمت المحن ولا عاصم إلا من رحم" (?).

قلت: إذا كان الإمام القرطبي يقول عن زمانه هذا الوصف، وهو قريب من الصدر الأول، فماذا نقول نحن عن زماننا! ! إنا لله وإنا إليه راجعون.

قوله تعالى: {وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 249]، " أي معهم بالحفظ والرعاية والتأييد ومن كان الله معه فهو منصور بحول الله" (?).

قال الرازي: " يحتمل أن يكون هذا قولا للذين قالوا: {كم من فئة قليلة}، ويحتمل أن يكون قولا من الله تعالى، وإن كان الأول أظهر" (?).

وعن عطاء بن دينار، "أن سعيد بن جبير، قال: الصبر اعتراف العبد لله، بما أصاب منه، واحتسابه عند الله، ورجاء ثوابه وقد يجزع الرجل وهو متجلد، لا يرى منه إلا الصبر" (?).

وقال ابن زيد: "الصبر في بابين: فصبر على ما أحب الله وإن ثقل، وصبر على ما يكره وإن نازعت إليه الهوى. فمن كان هكذا فهو من الصابرين" (?).

وقد ذكر بعض من يتعاطى غوامض المعاني: أن "هذه الآية مثل ضربه الله للدنيا فشبهها الله بالنهر والشارب منه والمائل إليها والمستكثر منها والتارك لشربه بالمنحرف عنها والزاهد فيها، والمغترف بيده غرفة بالآخذ منها قدر الحاجة، وأحوال الثلاثة عند الله مختلفة" (?).

طور بواسطة نورين ميديا © 2015