إذا اطمأن إليه وهدأت عنده نفسه، فهو يسكن سكونا وسكينة، مثل قولك: عزم فلان هذا الأمر عزما وعزيمة، وقضى الحاكم بين القوم قضاء وقضية، ومنه قول الشاعر (?):

لله قبر غالها! ماذا يجن؟ ... لقد أجن سكينة ووقارا

وإذا كان معنى (السكينة) ما وصفت، فجائز أن يكون ذلك على ما قاله علي بن أبي طالب على ما روينا عنه، وجائز أن يكون ذلك على ما قاله مجاهد على ما حكينا عنه، وجائز أن يكون ما قاله وهب بن منبه وما قاله السدي، لأن كل ذلك آيات كافيات تسكن إليهن النفوس، وتثلج بهن الصدور، وإذا كان معنى (السكينة) ما وصفنا، فقد اتضح أن الآية التي كانت في التابوت، التي كانت النفوس تسكن إليها لمعرفتها بصحة أمرها، إنما هي مسماة بالفعل وهي غيره، لدلالة الكلام عليه" (?)

ومما يعضد بأن السكينة أمر معنوي وتدل على ما تسكن إليها النفوس، ما رواه مسلم عن البراء قال: " كَانَ رَجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الْكَهْفِ وَعِنْدَهُ فَرَسٌ مَرْبُوطٌ بِشَطَنَيْنِ فَتَغَشَّتْهُ سَحَابَةٌ فَجَعَلَتْ تَدُورُ وَتَدْنُو وَجَعَلَ فَرَسُهُ يَنْفِرُ مِنْهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ لِلْقُرْآنِ" (?).

وفي حديث أبي سعيد الخدري: أن أسيد بن الحضير بينما هو ليلة يقرأ في مربده الحديث وفيه: فقال رسوله الله صلى الله عليه وسلم: " تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ كَانَتْ تَسْتَمِعُ لَكَ وَلَوْ قَرَأْتَ لَأَصْبَحَتْ يَرَاهَا النَّاسُ مَا تَسْتَتِرُ مِنْهُمْ" (?).

قال القرطبي: فأخبر صلى الله عليه وسلم عن نزول السكينة مرة، ومرة عن نزول الملائكة؛ فدل على أن السكينة كانت في تلك الظلة، وأنها تنزل أبدا مع الملائكة. وفي هذا حجة لمن قال إن السكينة روح أو شيء له روح لأنه لا يصح استماع القرآن إلا لمن يعقل، والله أعلم" (?).

وقرأ أبو السمال: سكينة، بفتح السين والتشديد، قال الزمخشري: "وهو غريب" (?).

قوله تعالى: {وَبَقِيِّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ} [البقرة: 248]، يعني: " وفيه أيضاً بقية من آثار آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة" (?).

قال ابن عباس: "فجاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء والأرض وهم ينظرون إلى التابوت، حتى وضعته عند طالوت" (?).

وقال السدي: "فأصبح التابوت وما فيه في دار طالوت، فآمنوا بنبوة شمعون، وسلموا الملك لطالوت" (?).

وقال الربيع: "وكان موسى فيما ذكر لنا، ترك التابوت عند فتاه يوشع بن نون، وهو في البرية، فذكر لنا أن الملائكة حملته من البرية حتى وضعته في دار طالوت، فأصبح التابوت في داره" (?).

وتعددت أقوال أهل التفسير في معنى (البقية)، وذكروا فيها أوجها (?):

طور بواسطة نورين ميديا © 2015