الثالث: وقال آخرون: إنما نزلت هذه الآية، لأن الله تعالى ذكره لما أنزل قوله: {وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ} [سورة البقرة: 236]، قال رجل من المسلمين: فإنا لا نفعل إن لم نرد أن نحسن. فأنزل الله: {وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين}، فوجب ذلك عليهم. وبهذا فإن الآية نسخ محض، وهو قول ابن زيد (?).
وأخرج ابن أبي حام بسنده "عن سعيد بن المسيب قال: نسخت هذه الآية التي بعدها: {وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم}، نسخت {وللمطلقات متاع بالمعروف} " (?).
وأخرج أيضا "عن عتاب بن خصيف، في قوله: {وللمطلقات متاع بالمعروف}، قال: كان ذلك قبل الفرائض" (?).
الرابع: وقيل المراد بالمتعة هنا نفقة العدة (?).
والراجح هو القول الأول، وهو: أن الله تعالى ذكره أنزلها دليلا لعباده على أن لكل مطلقة متعة، "لأن الله تعالى ذكره ذكر في سائر آي القرآن التي فيها ذكر متعة النساء، خصوصا من النساء، فبين في الآية التي قال فيها: {لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً} [سورة البقرة: 236]، وفي قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ} [سورة الأحزاب: 49]، ما لهن من المتعة إذا طلقن قبل المسيس، وبقوله: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ} [سورة الأحزاب: 28]، حكم المدخول بهن، وبقي حكم الصبايا إذا طلقن بعد الابتناء بهن، وحكم الكوافر والإماء. فعم الله تعالى ذكره بقوله: " وللمطلقات متاع بالمعروف " ذكر جميعهن، وأخبر بأن لهن المتاع، كما خص المطلقات الموصوفات بصفاتهن في سائر آي القرآن، ولذلك كرر ذكر جميعهن في هذه الآية" (?) (?).
وقوله تعالى: {مَتَاعٌ} [البقرة: 241]، أي: " أي نفقة العدة" (?).
والمتاع: هو "ما تتمتع به من لباس، وغيره" (?).
قوله تعالى: {بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 241]، يعني "بقدر الإمكان، جبرا لوحشة الفراق" (?).
قال ابن عثيمين: "يعني: هذا المتاع مقيد بالمعروف - أي ما يعرفه الناس -؛ وهذا قد يكون مفسَّراً بقوله تعالى: {وعلى الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعاً بالمعروف} [البقرة: 236]، أي: المتاع على الموسر بقدر إيساره؛ وعلى المعسر بقدر إعساره" (?).