والثاني: أن المراد بالفتنة: الإخراج والشرك. قاله جماعة المفسرين (?).
والثالث: أن المراد بها فتنة المسلمين عن دينهم-أي: بالتعذيب-ليرجعوا. قاله جماعة أخرى من المفسرين (?).
قال الشوكاني-بعد ذكره لبعض الأقوال: "وهذا أرجح [أي: فتنة المستضعفين من المؤمنين أو نفس الفتنة التي الكفار عليها] من الوجهين الأولين (الكفر أو الإخراج) لأن الكفر والإخراج قد سبق ذكرهما وأنهما مع الصد أكبر عند الله من القتال في الشهر الحرام" (?).
والأوْلى حمل الفتنة في الآية على جميع الوجوه التي يحتملها السياق، والظاهر أنه لا تعارض بين أقوال المفسرين في الآية، إذ بعضهم أطلق الكفر وإطلاقه يتضمن تعذيب المؤمنين وإخراجهم من ديارهم وصدهم عن المسجد الحرام بسبب إيمانهم بالله ورسوله وكفرهم بالطاغوت، وبعضهم ذكر بعض تلك الصور الكفرية وهو تفسير منهم بالجزء والمثال ولا ضير، والله أعلم
قال ابن القيم: " وأكثر السلف فسروا الفتنة هاهنا بالشرك كقوله تعالى: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ} [البقرة: 193]، ويدل عليه قوله: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} [الأنعام: 23]، أي: لم يكن مال شركهم وعاقبته وآخر أمرهم إلا أن تبرؤوا منه وأنكروه. وحقيقتها-أي: الفتنة-: أنها الشرك الذي يدعو صاحبه إليه ويقاتل عليه، ويعاقب من لم يفتن به" (?).
و(الفتنة) في كلام العرب: " الابتلاء والامتحان" (?).
ويعني بـ {وَالْفِتْنَةُ}: "الصد عن سبيل الله، ومنع المؤمنين، وإيذاؤهم؛ و «الفتنة» بمعنى: «إيذاء المؤمنين» قد جاءت في القرآن الكريم في قوله تعالى: {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق} [البروج: 10] " (?).
قوله تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ} [البقرة: 217]، أي: " لا يزال هؤلاء الكفار يقاتلونكم أيها المؤمنون" (?).