وقد زعم بعضهم أنها ناسخة من وجه، ومنسوخة من وجه، وذلك أن الجهاد كان على ئلاث طبقات (?):
الأولى: المنع من القتال، وذلك مفهوم من قوله تعالى: {ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم} [النساء: 77].
ثم فنسخت بهذ الآية ووجب بها التعين على الكل، وساعدها قوله تعالى: {انفروا خفافا وثقالا} [التوبة: 41].
ثم استقر الأمر على أنه إذا قام بالجهاد قوم سقط على الباقين بقوله تعالى: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة} [التوبة: 122].
قال ابن الجوزي: " والصحيح أن قوله: {كتب عليكم القتال} محكم وأن فرض الجهاد لازم للكل، إلا أنه من فروض الكفايات، إذا قام به قوم سقط عن الباقين فلا وجه للنسخ" (?).
وقال أبو جعفر النحاس في هذه الآية: "وأما قول من قال: أن الجهاد فرض بالآية فقول صحيح، وهذا قول حذيفة، وعبد الله بن عمرو، وقول الفقهاء الذين تدور عليهم الفتيا، إلا أنه فرض يحمله بعض الناس عن بعض، فإن احتيج إلى الجماعة نفروا فرضا واجبا، لأن نظير كتب عليكم القتال كتب عليكم الصيام" (?).
وقال مكي بن أبي طالب: والأمر لا يحمل على الندب إلا بقرينة ودليل" (?).
وقال ابن عطية: "والذي استمر عليه الإجماع أن الجهاد على كل أمة محمد صلى الله عليه وسلم فرض كفاية، فإذا قام به من قام من المسلمين سقط عن الباقين، إلا أن ينزل العدو بساحة الإسلام فهو حينئذ فرض عين" (?).
والراجح -والله أعلم- هو ما قاله ابن الجوزي، وهو قول الجمهور، : إذ أن الجهاد فرض على الكفاية، إذا قام به البعض سقط عن الباقين مثل صلاة الجنازة ورد السلام، وذلك "لإجماع الحجة على ذلك، ولقول الله عز وجل: {فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} [سورة النساء: 95]، فأخبر جل ثناؤه أنّ الفضل للمجاهدين، وأن لهم وللقاعدين الحسنى، ولو كان القاعدون مضيِّعين فرضًا لكان لهم السُّوأى لا الحسنى" (?).
قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ} [البقرة: 216]، أي: "فُرض عليكم قتال المشركين" (?).
قال البغوي: "أي: فرض عليكم الجهاد" (?).
قال القاسمي: أي " قتال المتعرضين لقتالكم، كما قال: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا} [البقرة: 190] " (?).
وقرأ قوم {كتب عليكم القتل}، وقال الشاعر (?):
كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جر الذيول (?)
فـ «الكتْب» هنا بمعنى (الفرْض)، كما في قوله تعالى: {كتب عليكم الصيام} [البقرة: 183]، وقوله تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً} [النساء: 103]، وقوله تعالى: {القتال} أي قتال أعداء الله الكفار؛ و {القتال} مصدر قاتل (?).
قال القرطبي: " والمراد بالقتال قتال الأعداء من الكفار، وهذا كان معلوما لهم بقرائن الأحوال، ولم يؤذن للنبي صلى الله عليه وسلم في القتال مدة إقامته بمكة، فلما هاجر أذن له في قتال من يقاتله من المشركين فقال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا} [الحج: 39] ثم أذن له في قتال المشركين عامة" (?).
قوله تعالى: {وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ} [البقرة: 216]، أي: " وهو مكروه لكم" (?).
قال البغوي: أي: "شاق عليكم" (?).
قال القرطبي: " وهو كره في الطباع" (?).
قال ابن كثير: " أي: شديد عليكم ومشقة، وهو كذلك، فإنه إما أن يُقْتَلَ أو يجرحَ مع مشقة السفر ومجالدَة الأعداء" (?).
قال الشوكاني: " يعنى القتال وهو مشقة عليكم" (?)
قال الصابوني: "وهو شاق ومكروه على نفوسكم، لما فيه من بذل المال، وخطر هلاك النفس" (?).
قال بعض أهل المعاني: "هذا الكره من حيث نفور الطبع عنه لما فيه، من مؤنة المال ومشقة النفس وخطر الروح، لا أنهم كرهوا أمر الله تعالى" (?).
قال سعيد بن جبير: "يعني: القتال هو مشقة لكم " (?).
وقال قتادة: "شديد عليكم" (?).
وقال معاذ بن مسلم: "الكُرْه: المشقة، والكَرْه الإجبار" (?).
وقد كان بعض أهل العربية يقول: (الكُره والكَره)، لغتان بمعنى واحد، وقال بعضهم: (الكره) بضم (الكاف) اسم و (الكره) بفتحها مصدر (?).
و{كُرْهٌ} مصدر بمعنى اسم المفعول - يعني: وهو مكروه لكم -؛ والمصدر بمعنى اسم المفعول يأتي كثيراً، مثل: {وإن كن أولات حمل} [الطلاق: 6] يعني: محمول؛ وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد» (?)، أي مردود (?).