احدهما: أي عمل فيها.
والثاني: وقيل: سار ومشى.
والأول أظهر، لأن (السعي) في كلام العرب العمل، يقال منه: فلان يسعى على أهله، يعني: يعمل فيما يعود عليهم نفعه، ومنه قول الأعشى (?):
وَسَعَى لِكِنْدَةَ سَعْيَ غَيْرِ مُوَاكِلٍ ... قَيْسٌ فَضَرَّ عَدُوَّها وَبَنَى لَهَا
يعني بذلك: عمل لهم في المكارم (?).
قال الراغب: " (السعي): مشي سريع، ومنه قيل: السعي بين الصفا والمروة، فجعل مستعاراً للتصرف، ولأجله قيل لجابي الصدقة ساع، وقيل للوقيعة في الغير سعاية، وذلك كاستعارة المشي لهما في قوله {هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ} " (?).
واختلف أهل التأويل في معنى (الإفساد) الذي أضافه الله عز وجل إلى هذا المنافق، وفيه قولان (?):
أحدهما: أن الإفساد يكون من قطعه الطريق وإخافته السبيل، كما فعل الأخنس بن شريق.
والثاني: أن معناه: قطع الرحم وسفك دماء المسلمين. وهذا قول ابن جريج (?).
قال الطبري: " والأشبه بظاهر التنزيل أن يكون كان يقطع الطريقَ ويُخيف السبيل، لأن الله تعالى ذكره وصَفه في سياق الآية بأنه {سَعى في الأرض ليفسد فيها ويُهلك الحرث والنسل}، وذلك بفعل مخيف السبيل، أشبهُ منه بفعل قَطَّاع الرحم" (?).
والصواب أنه يدخل في الإفساد جميع المعاصي، ولم يخصص الله وصفه ببعض معاني الإفساد دون بعض. والله أعلم.
قوله تعالى: {وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ} [البقرة: 205]، " أي: يهلك الزرع وما تناسل من الإِنسان، والحيوان" (?).
قال السعدي: " فالزروع والثمار والمواشي، تتلف وتنقص، وتقل بركتها، بسبب العمل في المعاصي" (?).
قال ابن عثيمين: " يعني: يكون سعيه سبباً لفساد الحرث، والحيوانات؛ لأن المعاصي سبب لذلك؛ فالزروع والثمار والمواشي، تتلف وتنقص، وتقل بركتها، بسبب العمل في المعاصي، لقوله تعالى: {ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون} [الروم: 41]، ولقوله تعالى: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون} [الأعراف: 96] " (?).
قال الصابوني: " معناه: أن فساده عام يشمل الحاضر والباد، فالحرث محل نماء الزروع والثمار، والنسل وهو نتاج الحيوانات التي لا قوام للناس إلا بهما، فإفسادهما تدمير للإنسانية" (?).
وفي معنى (الحرث) في قوله تعالى: {وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ} [البقرة: 205]، قولان:
أحدهما: أن الحرث النساء والنسل الأولاد.