قال القرطبي: "وأصل الإفاضة: الاندفاع؛ ومنه الإفاضة في الكلام، والاستمرار فيه؛ ولذلك قيل للذي يضرب القداح بين الأيسار: (مفيض)، لجمعه القداح، ثم إفاضته إياها بين الياسرين، ومنه قول بشر بن أبي خازم الأسدي (?):
فقلت لها ردي إليه جنانه ... فردت كما رد المنيح مفيض (?)
ويقال: فاض الإناء إذا امتلأ حتى ينصب عن نواحيه. ورجل فياض، أي مندفق بالعطاء. قال زهير (?):
وأبيض فياض يداه غمامة ... على معتفيه ما تغب فواضله
وحديث مستفيض، أي شائع" (?).
قال ابن عثيمين: " والتعبير بـ {أفضتم} يصور لك هذا المشهد كأن الناس أودية تندفع" (?).
وفي معنى قوله تعالى: {فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ} [البقرة: 198]؛ ثلاثة أقوال (?):
أحدها: أن الإفاضة: الدفع عن اجتماع، كفيض الإناء عن امتلاء.، والمعنى: إذا دفعتم بكثرة. قاله الزجاج (?).
والثاني: أن معناه: فإذا رجعتم من حيث بدأتم. وهذا اختيار الطبري (?).
والثالث: أن الإفاضة: الإسراع من مكان إلى مكان.
وفي {عَرَفَاتٍ} [البقرة: 198]، قولان:
أحدهما: أنها (جمع) عرفة.
والثاني: أنها اسم واحد وإن كان بلفظ الجمع. وهذا قول الزجاج (?).
قال البقاعي: و {عَرَفَاتٍ}، "جمع (عرفة)، جمع بما حولها وإن كانت بقعة واحدة كقولهم ثوب أخلاق" (?).
واختلفوا في تسمية المكان عرفة على أربعة أقاويل (?):
أحدها: أن آدم عرف فيه حواء بعد أن أُهْبِطَا من الجنة.
والثاني: أن إبراهيم عرف المكان عند الرؤية، لما تقدم له في الصفة. قاله نعيم بن أبي هند (?).
والثالث: أن جبريل عرَّف فيه الأنبياء مناسكهم.
والرابع: أنه سمي بذلك بنفسها وببقاع أخر سواها. وهذا معنى قول ابن عباس (?).