إن هذا المنهج الدقيق وتلك الحلقات التفسيرية كانت متصلة من القرن الأول الهجري إلى القرن الرابع الهجري، وبدخول القرن الخامس الهجري بدأ تدريجيا إهمال الأسانيد بحذفها أو باختصارها مما ساعد على شيوع الإسرائيليات ورواج الأحاديث الواهية والموضوعة ونسب الأقوال الباطلة إلى الصحابة والتابعين، وهم برآء منها، وكانت فرصة سانحة للكذابين والوضاعين والزنادقة وأهل الأهواء، فاختلط الصحيح بالسقيم والحق بالباطل وانتشر ذلك في كتب لتفسير بالمأثور، ولم يسلم منها إلا القليل كتفسير البغوي (?) وابن كثير وعبد الرزاق بن رزق الرسعني (ت 661 هـ) (?) الذي روى أغلب تفسيره بإسناده واستمر الحال على ذلك إلى يومنا هذا (?).
إن هذا النوع من التفسير يقوم على الاجتهاد، وإعمال النظر اعتماداً على علوم اللغة، وأصول الدين، والفقه ما لم يعارض المأثور وإلا اعتبر فاسداً، قال أبو محمد البغوي (?): "هو صرف الآية إلى معنى محتملٍ موافق لما قبلها، وما بعدها، غير مخالف للكتاب والسنة من طريق الاستنباط" (?).
وقال الزركشي بعد أن ساق كلام البغوي: "قالوا وهذا غير محظور على العلماء بالتفسير وقد رخص فيه أهل العلم؛ وذلك مثل قوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} [البقرة: (195)]، قيل: هو الرجل يحمل في الحرب على مائة رجل، وقيل: هو الذي يقنط من رحمة الله، وقيل: الذي يمسك عن النفقة، وقيل: هو الذي ينفق الخبيث من ماله، وقيل: الذى يتصدق بماله كله ثم يتكفف الناس، ولكلٍ منه مخرج" (?).
وأما المراد بالدراية في التفسير، فهو: "المراد بالرأي هنا الاجتهاد، فإن كان الاجتهاد مُوَفَّقاً- أي مستنداً إلى ما يجب الاستناد إليه- بعيداً عن الجهالة والضلالة فالتفسير به محمود، وإلا فمذموم" (?)، وقيل: "هو القول في القرآن بالاجتهاد المبني على أصول صحيحة، وقواعد سليمة متبعة يجب أن يأخذ بها من أراد الخوض في تفسير الكتاب، أو التصدي لبيان معانيه" (?).
وقيل: "هو تفسير القرآن بالاجتهاد اعتماداً على الأدوات التي يحتاج إليها المفسر، وهي علم اللغة العربية، وعلم النحو، والصرف، والاشتقاق، وعلوم البلاغة وعلم القراءات،