قال ابن عثيمين: " لأن لهم ما كسبوا، ولكم ما كسبتم" (?).
قال القرطبي: "أي لا يؤاخذ أحد بذنب أحد، مثل قوله تعالى: {وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [الأنعام: 164] أي لا تحمل حاملة ثقل أخرى" (?).
قال الثعلبي: " وإنّما تسألون عمّا تعملون أنتم" (?).
قال البيضاوي: " أي لا تؤاخذون بسيئاتهم، كما لا تثابون بحسناتهم (?).
قال الصابوني: " أي لا تسألون يوم القيامة عما كانوا يعملون في الدنيا بل كل نفسٍ تتحمل وحدها تبعة ما اكتسبت من سوء" (?).
قال القاسمي: " أي فعليكم بترك الكلام في تلك الأمة. فلها ما كسبت. وانظروا فيما دعاكم إليه خاتم النبيين محمد صلّى الله عليه وسلّم فإن ذلك أنفع لكم وأعود عليكم. ولا تسألون إلا عن عملكم" (?).
قال ابن عاشور: " والخطاب موجه إلى اليهود أي لا ينفعكم صلاح آبائكم إذا كنتم غير متبعين طريقتهم، فقوله: {لَهَا مَا كَسَبَتْ} تمهيد لقوله: {وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ} إذ هو المقصود من الكلام، والمراد بما كسبت وبما كسبتم ثواب الأعمال بدليل التعبير فيه بلها ولكم، ولك أن تجعل الكلام من نوع الاحتباك والتقرير لها ما كسبت وعليكم ما كسبتم أي إثمه، ومن هذه الآية ونظائرها انتزع الأشعري التعبير عن فعل العبد بالكسب" (?).
الفوائد:
1 - من فوائد الآية: بطلان التقليد، لأن قوله: {لها ما كسبت} يدل على أن كسب كل أحد يختص به ولا ينتفع به غيره، ولو كان التقليد جائزا لكان كسب المتبوع نافعا للتابع، فكأنه قال: إني ما ذكرت حكاية أحوالهم طلبا منكم أن تقلدوهم، ولكن لتنبهوا على ما يلزمكم فتستدلوا وتعلموا أن ما كانوا عليه من الملة هو الحق.
2 - الآية دالة على ترغيبهم في الإيمان، واتباع محمد عليه الصلاة والسلام، وتحذيرهم من مخالفته.
3 - الآية دالة على أن الأبناء لا يثابون على طاعة الآباء بخلاف قول اليهود من أن صلاح آبائهم ينفعهم، وتحقيقه ما روي عنه عليه السلام أنه قال: "يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ - أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ، لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، وَيَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِي مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي لا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا" (?).
وقال الله تعالى: {فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون} [المؤمنون: 101]، وقال تعالى: {ليس بأمانيكم ولا أمانى أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به} [النساء: 123] وكذلك قوله تعالى: {ولا تكسب كل نفس إلا عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى} (الأنعام: 164) وقال: {فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم} (النور: 54) (?).