وقوله تعالى: {إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}، جملة حالية يراد بها استمرارهم على الإسلام إلى الممات، وكان الصالحون من سلف الأمة يخشون سوء الخاتمة، ولا يفترون عن ذكر الموت مع ما هم عليه من الإيمان والطاعة، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإكثار من ذكر الموت، قال: "أكثروا ذكر هاذم اللذات" (?)، وكل هذا من أجل أن يبقى المرء متمسكاً بما وجب عليه ومبتعداً عما نهي عنه حتى يموت وهو كذلك. اللهم تجاوز عن زلاتنا، واغفر خطيئاتنا، وارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين، والحمد لله رب العالمين.

الفوائد:

1 - أن هذه الحكاية اشتملت على دقائق مرغبة في قبول الدين (?):

أ- أنه تعالى لم يقل وأمر إبراهيم بنيه بل قال: وصاهم ولفظ الوصية أوكد من الأمر، لأن الوصية عند الخوف من الموت، وفي ذلك الوقت يكون احتياط الإنسان لدينه أشد وأتم، فإذا عرف أنه عليه السلام في ذلك الوقت كان مهتما بهذا الأمر متشددا فيه، كان القول إلى قبوله أقرب.

ب- أنه عليه السلام خصص بنيه بذلك، وذلك لأن شفقة الرجل على أبنائه أكثر من شفقته على غيرهم، فلما خصهم بذلك في آخر عمره، علمنا أن اهتمامه بذلك كان أشد من اهتمامه بغيره.

ت- أنه عمم بهذه الزجر عن أن يموتوا غير مسلمين، وذلك يدل أيضا على شدة الاهتمام بهذا الأمر.

ث- أنه عليه السلام ما مزج بهذه الوصية وصية أخرى، وهذا يدل أيضا على شدة الاهتمال بهذا الأمر، ولما كان إبراهيم عليه السلام هو الرجل المشهود له بالفضل وحسن الطريقة وكمال السيرة، ثم عرف أنه كان في نهاية الاهتمام بهذا الأمر، عرف حينئذ أن هذا الأمر أولى الأمور بالاهتمام، وأجراها بالرعاية، فهذا هو السبب في أنه خص أهله وأبناءه بهذه الوصية، وإلا فمعلوم من حال إبراهيم عليه السلام أنه كان يدعو الكل أبدا إلى الإسلام والدين.

2 - ومن فوائد الآية: أهمية هذه الوصية؛ لأنه اعتنى بها إبراهيم، ويعقوب؛ فإبراهيم أبو العرب والإسرائيليين؛ ويعقوب أبو الإسرائيليين؛ فهذان الرسولان الكريمان اعتنيا بها، حيث جعلاها مما يوصى به.

3 - ومنها: أنه ينبغي العناية بهذه الوصية اقتداءً بإبراهيم، ويعقوب.

4 - ومنها: أن الله سبحانه وتعالى اختار لعباده من الدين ما هو أقوم بمصالحهم؛ لقوله تعالى: {اصطفى لكم الدين}؛ فلولا أنه أقوم ما يقوم بمصالح العباد ما اختاره الله سبحانه وتعالى لعباده.

5 - ومنها: أنه ينبغي التلطف في الخطاب؛ لقوله تعالى: {يا بنيّ}؛ فإن نداءهم بالبنوة يقتضي قبول ما يلقى إليهم.

6 - ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يتعاهد نفسه دائماً حتى لا يأتيه الموت وهو غافل؛ لقوله تعالى: {فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون}.

7 - ومنها: أن الأعمال بالخواتيم؛ لقوله تعالى: {فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون}.

القرآن

{أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133)} [البقرة: 133]

التفسير:

أكنتم أيها اليهود حاضرين حين جاء الموتُ يعقوبَ، إذ جمع أبناءه وسألهم ما تعبدون من بعد موتي؟ قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلهًا واحدًا، ونحن له منقادون خاضعون.

في سبب نزول الآية وجوه:

طور بواسطة نورين ميديا © 2015