أنهم كانوا جزءًا من العنصر المسيطر في الإمبراطورية العثمانية، وأنهم لعبوا دورًا كبير في حكومتها، طيلة نصف القرن السابق لزوالها. لكنهم كانوا، من جهة أخرى، لا يزالون مفتونين بالمدنية الأوروبية. فقد كانت دول أوروبا أقوى دول العالم بالفعل، وإن كانت لم تعد أقواها من حيث الطاقة. وهي التي خلقت المدنية الحديثة ولا تزال، بمعنى من المعاني، تملك «سرها». وكانت الأفكار والمؤسسات السياسية في أوروبا الغربية لا تزال تبدو لمعظم الناس الأساس الضروري لقوة الأمة، ناهيك بأنها كانت أفضلها. وعلى هذا، لم يستنتج القوميون من إدانتهم للسياسة البريطانية أو الفرنسية أن إنكلترا أو فرنسا فاسدة بحد ذاتها، بل استنتجوا أنها لم تكن أمينة لذاتها. لهذا كانوا يوجهون نداءاتهم إلى إنكلترا الحقيقية وفرنسا الحقيقية، عاقدين الأمل على أنهما ستعودان، ولاريب، إلى حقيقتهما، عاجلًا أو آجلًا، خصوصًا وأن مصالحهما تنسجم مع مصالح العرب. وعندما يتم ذلك ينال العرب الاستقلال التام، أو على الأقل، الاستقلال الذاتي القائم على معاهدات تحدد علاقاتهم مع الدول الكبرى. وقد خيل إليهم، في عالم العشرينيات والثلاثينيات، أن هذا هو السبيل الوحيد الذي يتيح للدول الأسيوية فرصة الانضمام إلى مجموعة الأمم. كما آمنوا، إجمالًا، كحقيقة لا جدال فيها، بأن على الدول العربية، بعد استقلالها، أن تتبنى المؤسسات التي تميز بها المجتمع الليبرالي الأوروبي.

وفي غضون نصف جيل، أي من 1908 إلى 1922، غدت القومية العربية فكرة سياسية واعية، ثم حركة لها برامجها، ثم اضطرت، قبل حلول الأوان، أن تختار، ثم رأت آمالها تتحطم. فاكتسبت من هذه الخبرة المريرة طريقة جديدة في التفكير. وليس من مكان أفضل لدراسة هذه الخبرة من صفحات «المنار» المليئة والصريحة والمفسرة نفسها بنفسها. كان الغرض من تفكير رشيد رضا السياسي، منذ بدء حياته حتى نهايتها، إعادة بناء الدولة

طور بواسطة نورين ميديا © 2015