الذي كان له، حتى أزمة الإسكندرونة (1937 - 1939)، تأثير قوي في تفكير العرب السياسي، وذلك لا لنجاح الأتراك في صد التعديات الأوروبية فحسب، بل أيضًا لأن روابط عميقة في الدين، والتاريخ المشترك، والقرابة الدموية أحيانًا، كانت ما تزال قائمة بين العرب والأتراك. أضف إلى ذلك ما هو أهم: رفض الأتراك كل مساومة على حساب الأمة. نعم، كان القلائل من العرب من الجيل القديم يحبذون نزعة العداء الشديدة لرجال الدين في سياسة أتاتورك. بيد أن ما استهواهم في تلك السياسة إنما هو نظرتها إلى الحكم التي لم تكن تعكس تعاليم أساتذتهم الأوروبيين فحسب، بل عقيدة الإسلام السياسية الحديثة. فقد قال أتاتورك:
«السيادة والحق في الحكم لا يمكن منحهما لأي كان ومن قبل أي كان على أثر مناقشة نظرية. ذلك أن السيادة إنما تكتسب بالقوة والبطش والعنف. فبالعنف قبض بنو عثمان على زمام السلطة وحكموا الأمة التركية واستمروا مسيطرين عليها طيلة ستة قرون. وها هي الأمة اليوم تثور على هؤلاء المغتصبين وتردهم على أعقابهم وتستعيد لنفسها ممارسة السيادة الفعلية» (72).
غير أن العرب لم يكن بإمكانهم أن يفصلوا القومية عن الإسلام بالقدر الذي فعله الأتراك (73). فالإسلام كان من فعل العرب في التاريخ. وهو الذي، بمعنى من المعاني، قد صنعهم، ووحدهم، وأعطاهم شريعتهم وثقافتهم. لذلك أحاط بالقومية العربية، أساسيًا، إشكال كان على العرب المسلمين والمسيحيين على السواء أن يجابهوه. فالعلمانية ضرورية كنظام للحكم، لكن من أين للعلمانية التامة أن تنسجم والشعور العربي؟ ليس من الضروري، في الحياة العملية، أن تجد الإشكالات حلًا لها. ومن الممكن للناس أن يعيشوا وإياها بأمان. والواقع أن معظم العرب الذين فكروا في هذه القضية قد اكتفوا بتأكيد كلا شقيها في آن واحد، متيقنين أن غير المسلمين من العرب هم جزء لا يتجزأ من الأمة العربية، وأن الإسلام هو