الملك فيها قد تضاءل، ولم يعد يتبع سياسة محمد علي وعباس حلمي العربية الإسلامية. لكن بوادر التغيير قد أخذت تظهر، إذ أصبحت مصر مركز الثقافة العربية، بفضل صحفها ودور النشر فيها وأفلامها وإذاعتها. ثم جاء توقيع المعاهدة الإنكليزية المصرية في 1936، فأعطاها حرية نسبية في سياستها الخارجية، فاتجه نفوذها مجددًا كما كان دومًا، إلى محيطه الطبيعي، أي المنطقة العربية شرقًا. وأخذ بعض الزعماء العرب يتطلعون إلى إمكان مساعدة مصر لهم في قضية فلسطين المعقدة. فقد أعلن نائب الرئيس المصري، في مؤتمر بلودان، أن قيام دولة يهودية في فلسطين لا يقل خطرًا على مصر منه على جيرانها. كذلك لعب المندوبون المصريون، إلى مؤتمر الطاولة المستديرة في لندن، دورًا مهمًا.

كانت القومية العربية، في تعبيرها عن نفسها، حركة علمانية. فقد كان الزعماء يرغبون في تجريد فرنسا من سلاحها الأقوى، وهو وجود الأقليات المسيحية والأقليات الإسلامية المنشقة، التي كانت تتطلع إلى فرنسا لحمايتها. وكانوا يرغبون في التعبير عن مقاومتهم للصهيونية على أساس قومي، أي على أساس الخطر الذي تشكله على مصالح الفلسطينيين المسيحيين والمسلمين على السواء، لا على أساس العداء الديني. وكانوا يشعرون بحاجتهم إلى مساعدة تلك الفئات عينها التي كانت، إجمالًا، أكثر ثقافة وأوسع اطلاعًا على أوروبا. زد على ذلك أن الجو الفكري الذي كانوا قد ترعرعوا فيه، إن في المدارس ذات المنهاج الغربي، أو في عهد «تركيا الفتاة» في إسطنبول، كان جوًا علمانيًا، مشبعًا بفكرة فصل الحقل الديني عن ميدان السياسة لخير الاثنين معًا. مما أدى بهم إلى الاعتقاد أن الروابط القومية التي توحد بين الناس هي أهم سياسيًا من المعتقدات الدينية التي تفرق بينهم، وأنه ينبغي للحكم الوطني أن يكون مستقلًا في دائرته الخاصة وطليقًا من كل قيد إلا قيد المصلحة. وقد دعم هذا المبدأ العلماني فوز كمال أتاتورك ومؤيديه، ذاك الفوز

طور بواسطة نورين ميديا © 2015