هناك، خلال العشرينيات والثلاثينيات، نزعة إلى اعتبار بغداد زعيمة الحركة الاستقلالية والوحدوية، لأن التحالف بين أماني الفئات القومية ومطامح الأسرة الهاشمية الذي نشأ في أيام «تركيا الفتاة» ووثقته الثورة العربية كان لا يزال قائمًا حينذاك، ولأن عددًا كبيرًا من القوميين كانوا لا يزالون يعتبرون فيصل زعيمًا لحركتهم. أضف إلى ذلك أن العراق، على تأخره السياسي والاجتماعي، كان قد حصل على استقلال نسبي قبل غيره من دول سوريا. وقد قبل الملك وحكومة العراق إجمالًا بتولي هذا الدور، مع أن الوعي السياسي في العراق كان أقل انتشارًا منه في سوريا. فكان الحكام العراقيون يتدخلون في سبيل سوريا وفلسطين بلا كلل، ويأخذون المبادرة في السياسة العربية حيثما أمكن. لكنهم كانوا في ذلك يجابهون خصومًا عديدين. ذلك أن المقاومة ضد الهاشميين، في سوريا والعراق على السواء، كانت أقوى مما بدا في الظاهر؛ كما أن الانتقاد الموجه إليهم على إدارتهم للأماكن المقدسة كان واسع النطاق. هذا فضلًا عن اتهامهم بالاستعداد المفرط لعدم التفريق، في الشؤون العربية العامة، بين مصالحهم ومصالح بريطانيا. وفي 1926 استولى عبد العزيز بن آل سعود، منشئ الدولة الوهابية الجديدة في أواسط شبه الجزيرة، على الحجاز، وأخذ نفوذه في النمو والازدياد. فقد كانت دولته الدولة العربية الكبيرة الوحيدة المستقلة، أي التي لم تكن تحتلها جيوش أجنبية؛ وكانت النظرة الوهابية إلى الإسلام تستهوي بعض المصلحين من مدرسة رشيد رضا؛ كما كان الملك نفسه يجسد في شخصه تلك الفضائل القديمة التي كان العرب يميلون إلى الاعتقاد بأنهم يملكونها. وكانت مصر تقف في الجهة الثانية، إلا أنها لم تكن بالرغم من لغتها تعتبر نفسها تمامًا، أو يعتبرها الآخرون، عربية خالصة. ففي ذلك الوقت، كانت نزعتها «الفرعونية» على أشدها، كما كان المصريون منصرفين إلى قضية استقلالهم، وهي وليدة تاريخهم الخاص. وكان نفوذ