القاهرة وبيروت، كما اقتبسوا بعض الانضباط والشعور بالمسؤولية في جيش إمبراطوري، وإن كان جيشًا لإمبراطورية أوشكت على الانهيار.

وهكذا أخذوا، بعد ثورة 1908، ينشؤون الجمعيات السرية ذات الأهداف البعيدة، كا «القحطانية» التي أسسها في 1909 ضباط من الجيش في طليعتهم عزيز علي المصري، و «الفتاة» التي أسسها في باريس في 1911 طلاب سوريون، و «العهد» التي أسسها عزيز علي المصري في 1914 وكان أعضاؤها كلهم تقريبًا من الضباط ومعظمهم من العراقيين (58). وكان هدف هذه الجمعيات الحقيقي الاستقلال، واقعيًا أو كاملًا، وكانت روحها أول روح لا تركية تظهر إلى الوجود كنتيجة طبيعية لانخراط هؤلاء الضباط في جيش كان ذا تراث قومي مختلف عن تراثهم. فقد أعلنت إحدى هذه الجمعيات، في نداء أصدرته في 1911، أن الأتراك هم سبب بؤسنا. إذ أبادوا ثقافتنا، وحالوا دون تقدمنا الاقتصادي، وها هي جميع الأمم التي انفصلت عنهم تباشر حياة قومية نشيطة، بينما لا تزال تلك التي بقيت معهم تتخبط في الفقر والجمود، وأن الحكومة الحالية تضحي بالبلاد في سبيل الأجانب، وأنها لا تؤمن حتى بالإسلام. فعلى العرب أن ينفصلوا عنها، وبالقوة إذا اقتضى الأمر، وعلى جميع العرب أن يساعدوا على ذلك: «أيها العرب المسلمون، إن هذه الدولة المستبدة ليست دولة إسلامية؛ ويا أيها المسيحيون واليهود العرب، اتحدوا مع إخوانكم المسلمين» (59).

بيد أن هذه النداءات من أجل الوحدة العربية والسياسية لم تجد لها استجابة لدى جميع الناطقين بالضاد. فحرية القول والعمل التي اتسعت بعد 1908 وسياسة «تركيا الفتاة»، إذ ساعدتا على نمو القومية العربية، ساعدتا أيضًا على نمو قوميات أخرى. فأخذ أولئك المسيحيون المؤمنون بأمة لبنانية أو أمة سورية ينظمون أنفسهم أيضًا ويبثون أفكارهم. ففي لبنان، نشر أخوان من أسرة

طور بواسطة نورين ميديا © 2015