تذهب إلى حد السعي من أجل حكم ذاتي، كما في مصر، يرأسه حاكم وطني وتحميه قوى أجنبية؟ فهذا ما يصعب علينا الجزم به. لكن فحوى هذا الحزب لا يمنع الترجيح بأن أفكاره كانت سائرة في هذا الاتجاه (54).
في 1913، قام فريق ينتمي معظمهم إلى هذا الحزب بعقد «مؤتمر عربي» في باريس، اشترك فيه حوالي خمسة وعشرين شخصًا، كلهم من سوريا الجغرافية ما عدا اثنين من العراق. كان بعضهم طلابًا أو من المقيمين في باريس، وبعضهم الآخر من وجهاء القاهرة وبيروت. وكان نصفهم تقريبًا من المسلمين ونصفهم الآخر من المسيحيين. وكان يؤيدهم بعض الزعماء السياسيين البارزين في إسطنبول. وتكشف التقارير عن المناقشات التي دارت في المؤتمر عن «الجو» الذي كان مسيطرًا في ذلك الحين على القومية العربية المعتدلة والذي كان مشبعًا «بالروح الغربية». فقد أعلن الخطباء أن رغبتهم في إصلاح الإمبراطورية إنما هي ناجمة عن رغبتهم في الاشتراك في المدنية الحديثة، وأنهم يأملون المعونة من أوروبا. وكان يتخلل خطاباتهم ثناء على فرنسا ومناشدة للضمير الأوروبي، وتعبير عن الأمل بأن تضغط أوروبا على الحكومة العثمانية، ودحض للفكرة القائلة بأن الخطر على الإمبراطورية متأت عن أوروبا، وتأكيد بأن الخطر الحقيقي إنما يكمن في الداخل، في «انحطاطنا نحن» (55)؛ كما تخللها أيضًا، بلهجة لا تقل حرارة، تأكيد ولائهم للإمبراطورية والإعراب عن رغبتهم في تقويتها، مع الإشارة إلى أن مقدار هذا الولاء متوقف على طريقة معاملتها لهم. وقد أفصحوا أيضًا عن الأفكار الآتية: إن قوة الدول تتوقف على نظام الحكم فيها. لذلك توجب أن تكون الحكومة العثمانية حكومة ديموقراطية حقًا، مما يستلزم، في إمبراطورية متعددة القوميات، حرية الولايات التي تتألف منها. فعلى العرب أن يشتركوا اشتراكًا فعليًا في الحكومة المركزية، كما يجب أن تنال الولايات العربية استقلالها الإداري.