وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [التوبة: آية 29] ثم صَرَّحَ بأن أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ من المشركينَ في قولِه: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31)} [التوبة: الآيتان 30،31] فَصَرَّحَ بأنهم مشركونَ بعدَ أن صَرَّحَ بمنعِ المشركينَ من المسجدِ الحرامِ أَتْبَعَهُ بأن الْكِتَابِيِّينَ من
نفسِ المشركينَ، وهذا بُرْهَانٌ وَاضِحٌ.
وقال: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا ... } [التوبة: آية 31] ومعلومٌ أن الذي اتَّخَذَ الأحبارَ والرهبانَ أربابًا من المشركينَ شِرْكُ رُبُوبِيَّةٍ كما لا يَخْفَى. وسيأتِي في هذه الآياتِ الكريمةِ من سورةِ براءة بيانُ أَنَّ كُلَّ مَنِ اتَّبَعَ تشريعَ أحدٍ ونظامَه واتبعَ تشريعَ الشيطانِ المخالفَ لتشريعِ اللَّهِ كُلٌّ مُتَّبِعٌ لتشريعِ الشيطانِ الذي يشرعه على ألسنةِ أوليائِه تاركًا تشريعَ اللَّهِ الذي شَرَعَهُ على ألسنةِ رُسُلِهِ كافرٌ مُشْرِكٌ بالله (?)، كما سَنُوَضِّحُهُ في هذه الآياتِ الآتيةِ. وَمِنْ أصرحِ الأدلةِ عليه أنه لَمَّا وَقَعَتْ تلك المناظرةُ المشهورةُ بينَ حزبِ الرحمنِ وحزبِ الشيطانِ في حُكْمٍ من أحكامِ الحلالِ والحرامِ، وحزبِ الشيطانِ يقولونَ: إن ذلك الحكمَ حلالٌ، ويستدلونَ بوحيٍ شيطانيٍّ، وحزبُ الرحمنِ يقولونَ: إن ذلك الحكمَ حرامٌ. ويستدلونَ بوحيٍ قرآنيٍّ، لَمَّا اخْتَصَمُوا وَأَدْلَى كُلٌّ بحجتِه تَوَلَّى اللَّهُ الفصلَ بينهم فأفتَى بينَهم فتوى سماويةً تُتْلَى قرآنًا في سورةِ الأنعامِ في قولِه: {وَلاَ تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ} يعني الميتةَ؛ لأَنَّ الكفارَ أَوْحَى إليهم الشيطانُ: أن سَلُوا محمدًا عن الشاةِ تصبحُ ميتةً، مَنْ هو الذي قَتَلَهَا؟ فقال لهم: