لأنه دَلَّ استقراءُ القرآنِ العظيمِ على أن اللَّهَ يُطْلِقُ المسجدَ الحرامَ على جميعِ الحرمِ، وهذه الآيةُ من جملةِ الآياتِ التي أَطْلَقَ فيها المسجدَ الحرامَ وأرادَ الْحَرَمَ كُلَّهُ، كقولِه: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [الإسراء: آية 1] والصحيحُ أن الإسراءَ وَقَعَ به من بيتِ أُمِّ هَانِئٍ بنتِ أبي طالبٍ في مكةَ في الحرمِ لاَ في نفسِ المسجدِ، وقد قَدَّمْنَا في الآياتِ الماضيةِ قولَه: {إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [التوبة: آية 7] والمعاهدةُ في طرفِ الحرمِ من الحديبيةِ، فهذه الآياتُ دَلَّتْ على أن مَنْعَ الكفارِ والمشركينَ من القربانِ عَامٌّ لجميعِ الحرمِ لاَ لخصوصِ المسجدِ وحدَه، خلافًا لمن قَامَ مَعَ اللفظِ.
والفاءُ في قولِه: {فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ} دَلَّ مَسْلَكُ الإيماءِ والتنبيهِ مِنْ مَسَالِكِ العلةِ في الأصولِ على أنها أداةُ تعليلٍ، وكذلك قُرِّرَ في الأصولِ أن الفاءَ من حروفِ التعليلِ (?)، كقولِهم: سَهَى فَسَجَدَ. أي: لعلةِ سَهْوِهِ. وَسَرَقَ فَقُطِعَتْ يدُه. أي: لعلةِ سرقتِه. وأساءَ فَأُدِّبَ. أي: لعلةِ إساءتِه. {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ} [التوبة: آية 28] لعلةِ نجاستِهم التي يجبُ أن تُبْعَدَ من المسجدِ ويُتَوَقَّى إياها. والحاصلُ أن الصحيحَ - إن شاء الله - أنه لاَ يجوزُ أن يدخلَ جميعَ حرمِ مكةَ مُشْرِكٌ (?). والصوابُ - إن شاء اللَّه - أنها لا يدخلُها الْكِتَابِيُّونَ من يهودٍ ولا نَصَارَى (?)، خِلاَفًا لِمَا ذَهَبَ إليه جماعةٌ من العلماءِ، وهو مَرْوِيٌّ عن أبِي حنيفةَ (رحمه الله) أنه لا مانعَ من دخولِ اليهوديِّ والنصرانيِّ الذميِّ - مثلاً - الحرمَ، بل المسجد. قالوا: لأن اللَّهَ إنما مَنَعَ منه خصوصَ المشركينَ. قالوا: وأهلُ الكتابِ ليسوا من المشركينَ (?).
واستدلوا بآياتٍ من كتابِ اللَّهِ ظاهرُها المغايرةُ بَيْنَ أهلِ الكتابِ والمشركينَ، كقولِه: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ} [البينة: آية 1] وقولِه: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ} [البينة: آية 6] وقولِه: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا} [آل عمران: آية 186] وقولِه: {مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلاَ الْمُشْرِكِينَ} [البقرة: آية 105] وقولِه: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [المائدة: آية 82] إلى غيرِ ذلك من الآياتِ التي عَطَفَ اللَّهُ فيها أهلَ الكتابِ على المشركينَ، قالوا: والعطفُ يَقْتَضِي المغايرةَ، فَدَلَّ أنهم ليسوا من المشركينَ، والتحقيقُ الذي لا شكَّ فيه - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - أن أهلَ الكتابِ من المشركينَ، وقد نَصَّ اللَّهُ على أنهم من المشركينَ في هذه الآيةِ الكريمةِ من سورةِ براءة؛ لأنه لَمَّا ذَكَرَ أهلَ الكتابِ وقال: {قَاتِلُوا الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ