وَعظم قدره وَمحله، وَكَذَا بَاشر الأستادارية عِنْد جمَاعَة من الْأُمَرَاء كبيبرس الأتابك وسودون الحمزاوي وأثرى وَعمر الدّور الْكِبَار مِنْهَا فِي دَاخل الْقصر بجوار الْمدرسَة السابقية منزلا حسنا فَيُقَال أَنه وجد فِيهِ خبيئة للفاطميين. واشتهر ذكره بالعصبية والمروءة وَقَضَاء حوائج النَّاس فَقَامَ بأعباء كثير من الْأُمُور وَصَارَ مقصدا للملهوفين يقْضِي حوائجهم ويركب مَعَهم إِلَى ذَوي الجاه فتزايدت وجاهته ونفذت كَلمته وَصَحب سعد الدّين إِبْرَهِيمُ بن غراب فَنَوَّهَ بِذكرِهِ بِحَيْثُ أَنه لما فر يشبك الشَّعْبَانِي وَمَعَهُ ابْن)
غراب عرض عَلَيْهِ الْوزر فَأبى وَسَأَلَ فِي الأستادارية فاستقر فِيهَا فِي رَجَب سنة سبع وَثَمَانمِائَة بعد أَن رسم عَلَيْهِ فِي بَيت شاد الدَّوَاوِين يَوْم وَلَيْلَة وَذَلِكَ عوض ابْن قيمار المستقر بعد ابْن غراب فَشَكَرت سيرته مَعَ استمراره على التحدث فِي أستادارية بيبرس ثمَّ وَقع بَينه وَبَين السالمي لتهور السالمي فَقبض عَلَيْهِ فِي ذِي الْحجَّة واستبد بِالْأَمر وَلم يلبث أَن تمكن ابْن غراب فرام الفتك بِجَمَال الدّين ثمَّ اشْتغل عَنهُ بمرضه حَتَّى هلك فاستولى حِينَئِذٍ على الْأُمُور واستضاف الوزارة وَنظر الْخَاص والكشف بِالْوَجْهِ البحري بل اسْتَقر مشير الدولة. ثمَّ لماقتل يشبك صفا لَهُ الْوَقْت وَصَارَ عَزِيز مصر على الْحَقِيقَة لَا يعْقد أَمر إِلَّا بِهِ وَلَا تنفصل مشورة إِلَّا عَن رَأْيه وَلَا يخرج أقطاع وَلَو قل إِلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا يستخدم أحد من الْأُمَرَاء وَلَو عظم كَاتبا عِنْده إِلَّا من جِهَته وَلَا تبَاع دَار حَتَّى تعرض عَلَيْهِ وَلَا يثبت مَكْتُوب على قَاض حَتَّى يَسْتَأْذِنهُ وَلَا يُبَاع شَيْء من الْجَوْهَر والصيني وَلَا من آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا من الفرو وَالصُّوف وَالْحَرِير وَلَا من كتب الْعلم النفيسة حَتَّى تعرض عَلَيْهِ وَلَا يَلِي أحد وَظِيفَة وَلَو قلت حَتَّى نواب الْقُضَاة إِلَّا بأَمْره ثمَّ تجَاوز ذَلِك حَتَّى صَار لَا يتحكم أَمِير فِي فلاحه حَتَّى يؤامره وَلَا تكْتب وَصِيَّة حَتَّى تعرض عَلَيْهِ أَو يَأْذَن فِيهَا وخضع لَهُ الْآمِر والمأمور وَكثر تردد النَّاس إِلَى بَابه حَتَّى كَانَ رُؤَسَاء الدولة من الدوادار وَكَاتب السِّرّ فَمن دونهمَا ينزلون فِي ركابه إِلَى منزله وَلَا يصدر أحد مِنْهُم إِلَّا عَن رَأْيه وَاتفقَ مَجِيء الدوادار الْكَبِير قجاجق الظَّاهِرِيّ برقوق إِلَيْهِ مرّة لما بَينهمَا من أكيد الصُّحْبَة وَجلسَ من جِهَة عين جمال الدّين الذاهبة واشتغل جمال الدّين بإنهاء أشغال النَّاس والإسراع بالتعليم ليخلو بِهِ فَأخذ قجاجق قصَّة مِمَّا كتب عَلَيْهِ ورملها فَلَمَّا رأى جمال الدّين ذَلِك قَامَ إِلَيْهِ وأهوى ليده ليقبلها فَمَنعه من ذَلِك وَقدم لَهُ الْجمال تقدمة هائلة وَصَارَ يعْتَذر لَهُ ويشكر صَنِيعه وعد ذَلِك فِي فخره لكَون الدوادار الْكَبِير لَا يفعل ذَلِك للسُّلْطَان إِنَّمَا هِيَ وَظِيفَة رَأس نوبَة النوب وَمَا يفعل الْآن خُرُوج عَن