وقلت: إنّك لم تندم على الصّمت قطّ وإن كان منك عيّا، وأنّك ندمت على الكلام مرارا وإن كان [منك] صوابا.

واحتجاجك في ذلك بقول كسرى أنو شروان، واعتصامك فيها بما سار من أقاويل الشّعراء والمتّسق من كلام الأدباء، وإفراطهم في مذمّة الكلام، وإطنابهم في محمدة السّكوت.

وأتيت- حفظك الله- على جميع ما ذكرت من ذلك، ووصفت ولخّصت، وشرحت وأطنبت فيها وفرطت بالفهم، وتصفّحتها بالعلم، وبحثت بالحزم، ووعيت بالعزم، فوجدتها كلام امرىء قد أعجب برأيه وارتطم في هواه، وظنّ أنّه قد نسج فيها كلاما، وألّف ألفاظا ونسق له معاني على نحو مأخذه.

ومقصده أن لا يلفي له ناقضا في دهره بعد أن أبرمها، ولا يجد فيها مناويا في عصره بعد أن أحكمها. وأنّ حجّته قد لزمت جميع الأنام، ودحضت حجّة قاطبة أهل الأديان، لما شرح فيها من البرهان، وأوضح بالبيان. وحتّى كان القول من القائل نقضا، ورفع الوصف من الواصف تغلّبا، وكان في موضع لا ينازعه فيه أحد، وقلّما يجد من يخاصمه، ولا يلفى أبدا من يناضله، وصار فلجا [بحجّته] أو حديّا في لهجته، إذ كان محلّه محلّ الوحدة، والأنس بالخلوة، وكان مثله في ذلك [مثل] من تخلّص إلى الحاكم وحده فلجّ بحجّته.

وإنّي سأوضّح ذلك ببرهان قاطع، وبيان ساطع، وأشرح فيه من الحجج ما يظهر، ومن الحقّ ما يقهر، بقدر ما أتت عليه معرفتي، وبلغته قوّتي، وملكته طاقتي، بما لا يستطيع أحد ردّه، ولا يمكنه إنكاره وجحده. ولا قوة إلّا بالله، وبه أستعين، وعليه أتوكّل وإليه أنيب.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015