أبو يعقوبَ بن عبد المؤمن، وتقَرَّرَ لديه ما هو عليه من التفنُن في المعارِف وحُسن المشاركة في العلوم على تفاريقِها، فاستَدعاهُ واستَدناهُ ونوَّه به ما شاء وأحْظاه، وكان هو وإخوتُه عاملينَ على إيثارِه متنافسينَ في إعظامِه وإكبارِه، وتوَجَّه معَ أبي الحَسَنُ منهم إلى فاسَ كاتبًا عنه سنةَ [...] (?) وخمسينَ وخمس مئة، ثم توجَّه إلى قُرْطُبةَ سنةَ ثلاث وستينَ معَ أخيه أبي إسحاقَ (?) كالشّيخ له، والناظرُ في مسائل طلبةِ الحضر وقاضيها حينَئذ أبو محمد بنُ مُغيث ابن الصّفّار (?)، وبها من رُؤساءِ الطلبة أبو محمّد بن يَغْمور، فجَرَت بينَهم مُناقَضاتٌ أثمرت وَحشة بين أبي جعفرٍ وأبوَيْ محمد، غيرَ أنّ أبا جعفرٍ لم يَشغَلْ بالَه بأمرِهما ولا أخطَرَ بفِكرِه الإلمامَ بذكْرِهما وإن كانَ خواصُّه كثيرًا ما يَعرِضُونَ إليه بثَلْبِهما لديه فيُعرِضُ عنهم ولا يسمعُ منهم، إلى أن تحرّك السيِّد أبو إسحاقَ معَ وفدِ قُرطُبة إلى زيارةِ أبي يعقوبَ بن عبد المؤمن بإشبيلِيَةَ واستَصحبَ أبا جعفرٍ مُكرَّمًا مبرورًا على جاري عادتِه، وفي تلك المدّة كتَبَ أحدُ المتشبّعينَ بالعلم ممّن كان له تردُّدٌ على أبي جعفر وتشيُّع في جانبِه، وُيعرف بالأرجوني، وكان ممن يُسخَرُ به لجهلِه وهَزْلِه، كتابًا إلى أبي جعفرٍ أودَعَه ضُروباً من الإزراءِ على أبي محمد ابن الصّفّار والتهكُّم به وتمثَّل فيه بهذا الشعر [الرجز]:
* هذا أوانُ الشِّدِّ فاشتدِّي زِيمْ *
يُحَرِّضُ فيه على مطالبة أبي محمد ابن الصّفّار، فكان من سوءِ الاتّفاق أن وقَعَتِ الرُّقعةُ بذلك إلى يدِ أبي يعقوبَ بن عبد المؤمن، وكان رجُلَ جِدٍّ وتصميم في البُعد عن الهَزْل، فأكبَرَ أمرَها وأنِفَ لأبي جعفرٍ منَ انحطاطِه إلى مُشافهةِ