مقامة له أخرى
حدثني الجرجاني قال: كان فتى بجرجان من أبناء الأقيال، قد جمع إلى النهاية في المال الغاية في الجمال. وكان مألفاً للأدباء، ومأوى للغرباء، ورزقاً للفقراء، فلا يخلو منزله من أهل الإعدام. فإني لعنده في بعض الليالي إذ استؤذن عليه لضرير فقير فأمر بإكرامه وإطعامه. فلما فرغ من شانه، استدعاه إلى إيوانه، فدخل علينا رجل شيخ وافر السبال [88] ، قد عمه البياض بالكمال، مطموس العينين، مسترخي الحاجبين، قد صلعت هامته، وركعت قامته، وقصرت مسافة خطاه، وثقل جسمه على عصاه، فسلم بصوت ضئيل، ودعا بلسان ثقيل. وأقبل يذكر شبابه، ويتذكر أحبابه، وينوح على سالف زمانه، ويندب ثقات إخوانه. فرق له الفتى فأدناه، حتى أجلسه على يمناه، وصبره وسلاه. ثم سمرنا إلى وقت النوم، فرقد سائر القوم، ونام الفتى في مكانه، مراعاة لحق ضيفانه.
وكنت أدنى من الفتى مرقدا، كما كنت أدنى منه مقعداً، ولي عين أخف العيون هجعة، وأقربها إلى الانتباه رجعة. فأيقظني نبرة لم أكن عهدت من الفتى مثلها، ولا أجراها مع ضيف قبلها. فعجبت من خرق العادة، وأصغيت ألتمس [استزادة] . فسمعت الأعمى