شره العتيد، وشيطانه المريد، وهامانه الذي أوقد له على الطين، وعلمه الدفع بالشك في صدر اليقين، أحد أعلاج ابن عباد - كان - من رجل متوقد جمرة الذكاء، بعيد المذهب بين الجرأة والنكراء، سفر بين المعتضد والطاغية فرذلند، فعقد وحل، ونهض بما حمل من ذلك واستقل. ثم خاف المعتضد على نفسه، فنزع به عرق اللوم، إلى المقر المذموم. واستقرت قدمه بجليقية، فاضطلع بالدروب والثغور، وغلب على سائر السياسة والتدبير. وصار بعد قصارى ملوك الطوائف بالجزيرة نظرة من اهتباله، وأدنى خطرة من باله، فأدخل على أذفنوش يومئذ جماعة فوجدوه يمسح الكرى من عينيه، ثائر الرأس، خبيث النفس، وجعلوا ينظرون إليه وهو يضعف ثغامة رأسه، فما نسوا دفر أطماره، ودرن أظفاره. ثم أقبل عليهم بوجه كريه، ولحظ لا يشكون أن الشر فيه، وقال لهم: إلى متى تتخادعون، وبأي شيء تطمعون - قالوا: بنا بغية، [ولنا] في فلان وفلان أمنية، وسموا له بعض ملوك الطوائف، فصفق بيديه، وتهافت حتى فحص برجليه، ثم قال: أين رسل ابن عباد - فجيء بهم يرفلون في ثياب الخناعة، وينبسون بألسنة السمع والطاعة. فقال لهم: مذ كم تحومون علي، وترومون الوصول إلي - ومتى عهدكم بفلان، وأين ما جئتم به ولا كنتم ولا كان - فجاءوا بجملة ميرة، وأحضروا بين يديه كل خيرة خطيرة. ثم ما زاد على أن ركل ذلك برجله، وأمر بانتهابه كله؛ ولم يبق ملك من ملوك الطوائف إلا أحضر يومئذ رسله، وكانت حاله حال من كان قبله. وجعل أعلاجه يدفعون في ظهورهم، وأهل طليطلة يعجبون من ذل مقامهم ومصيرهم، فخرج مشيختها من عنده وقد سقط في أيديهم. وطمع كل شيء فيهم. وخلوا بينه