الجلائل؛ فضرب مدبرهم بمقبلهم، وولى آخرهم كبر أولهم، حتى طمع فقيرهم في غنيهم، واجترأ ضعيفهم على قويهم، وأصبح الرجل منهم يرتاع من ظله، ويلتفت وإنما هو بين أهله. وانكدر أذفنوش على طليطلة ينتسف مرافقها، ويقعد لجالية أهلها ثناياها ومضايقها، يأسر ويقتل، ويحرق ويمثل. وسما السعر، وتفاقم الأمر، وأنكرت الموارد والمصادر، وبلغت القلوب الحناجر.
وكان من غريب ما اتفق [75] وعجيب ما انتظم من ذلك واتسق، أن البر كان على زعمهم يمكث عندهم من خمسين سنة لا يؤثر فيه طول القدم، ولا يخاف عليه آفة العدم، ولم يرفع مدة الفتنة من البيادر - على تعذر بذره، وضيق الحيلة من محاولة شيء من أمره - إلا وقد بدا البلى عليه، وأسرعت الآفة إليه، أمر من الله لم يكن له مرد. ولا منه بد. ولما شمل البلاء، وفدحت البأساء، وأتى على أكثر أهل طليطلة القتل والجلاء، وقضى الطاغية أذفنوش - قصمه الله - قضاءه من استباحة الحريم، واستئصال الراحل والمقيم، وإتلاف الموجود والمعدوم، أسرى تحت الليل، في قطعة غير وافرة من الخيل، فنزل المنية المصورة التي كان المأمون يحشد إليها كل حسن، ويباهي بها جنة عدن، ويقلب الحوير في جيد بنيانها، والإشادة بشانها، ظهرا لبطن. فاتخذ عروشها مرابط لأفراسه، وإيواناتها ملاعب لأراذلته وأرجاسه. وهجم الشتاء فمنعه من ميرة تأتيه