افلاك، أصله عريق، وفرعه وريق، اتخذتموه جبارا ودون العرب حجازا، نزل الحيرة، وأنتم له جيرة، ملك شهم من لدن مالك [200أ] بن فهم، له سقي الفرات بقضه وقضيته، يجبي خراجه، ويستعبد أعلاجه، قد كفاكم العرب جمعاء، من جلق إلى صنعاء، يذب عنكم بماله واحتماله، بوضائعه وصنائعه، بعد عقد مؤكد، وعهد منكم مؤبد، وأجارت العرب من أجار، وأغارت على ما أغار، وحسنت حال الفرس بمكانه، وعزت بسلطانه، فلما شمخ على أعلاجكم، وامتنع من زواجكم، ولم تكن العرب تزوج احفادها، أو يكون من اكفاها؛ فقال لباغي لبسواد، عليك ببقر السواد، استزرتموه فغدرتموه وغررتموه، فكيف رأيتم غضب العرب لثارها وطلبها لأوتارها - ألم تصدمكم بذي قار صدمة ذي احتقار، فأدركت فيكم رضى الرحمن وأخذت بثأر النعمان، وطحطحت بني ساسان وآل كاسان -! ولم تقم للفرس بعدها قائمة، ولا رعت لها سائمة، ولم تزل في قواصف تتقاذف، وعواصف تترادف، حتى تمم الله آفتها، واستأصل الإسلام شأفتها.
وأما آل غسان فالشرف الأقدم، والبناء الذي لا يهدم، سالت من بلادها حين سال العرم جائلة، وساحت من أرضها حافلة، هاجرة لأعطانها، نافرة عن أوطانها، وجاوزت الحجاز وهبطت الشام، فوجدت بلادا ريفا خريفا، ورجالا جوفا، لا يحمون ولا يحتمون