إن الداعية يخاطب كل الناس والناس مختلفون في دوافعهم وأهدافهم، فلا بد أن يكون الخطيب أعلم منهم، يطل بثقافته الواسعة عليهم جميعًا، ويلاحقهم بمعرفته بطبائع النفوس التي يتمسك بأعرافها وتقاليدها، إلى حد الدفاع عنها ومهاجمة من يحاول النيل منها.

ومن ثم فالحكمة تقتضي مسايرة الداعية الخطيب لهذه الطبائع، وملازمتها بالرفق واللين، دون أن ينمع معها، وصولًا بها إلى إعلان شعائر الإسلام، بعد أن تكون النفوس المخاطبة مِن قِبله قد تهيأت للغراس الجديد. فإذا كانت الخطابة لها هذه الأهمية العظيمة، ولها هذا الأثر الكبير في حياة الأمم والجماعات والأفراد؛ فهي إذًا جديرة بأن تدرس، وجديرة بأن توضع لها أصول؛ ذلك أن فن الخطابة يحاول تحليل الخطب، واستنباط الأصول العامة للخطابة الناجحة، ويرسم السبل التي يسلكها الخطيب ليستميل الجمهور ويقنعه، وبهذا تقوى الخطابة، ويتزود الخطباء بتجارب سابقيهم، وتنضج مواهبهم، ويقفون على خصائص الخطباء الكبار، وعلى ما في خطبهم من دقائق كفلت لهم البراعة.

ومنذ القدم وضع أرسطو للخطابة أصولًا ما تزال تراعى، وقرر أنها فن في قوله: "إن كل الناس يلجئون للخطابة والجدل بدرجات متفاوتة، وبعض الناس يمارس الخطابة والجدل فطرة وسليقة، وبعضهم الآخر يمارسها بالمرانة التي اكتسبها من مقتضيات الحياة، والوسيلتان ممكنتان، فواضح أن تكون هناك طريقة وأن يكون هناك مجال لتوجيه تطبيقها، ولضرورة النظر في السبب الذي يؤدي إلى إنجاح هذا العمل المنساق بالعادة، أو المندفع بالفطرة والسليقة، ولا يشك إنسان في أن مثل هذه الدراسة من خاصة الفن".

هذا، والحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015