قَالُوا: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَرْبَعُونَ يَوْمًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ. قَالَوا: أَرْبَعُونَ شَهْرًا؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالَوا: أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ: أَبَيْتُ. وَيَبْلَى كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الإِنْسَانِ إِلَّا عَجْبَ ذَنَبِهِ، فِيهِ يُرَكَّبُ الخَلْقُ.
وأخرجه أيضًا مسلم والنسائي (?)، ومعنى (أبيت): الجزم بشيء، وإنما أجزم به أنها أربعون، وقد جاءت مفسرة من رواية غيره في غير مسلم: أربعون سنة. قال ابن التين: إما أن يكون لم يعلم ذلك، أو سكت ليخبرهم في وقت فنسي أو شغل، وعجم (?) الذنب -بالسكون، ويقال: بالباء- هو عظم لطيف في أصل الصُّلب وهو أصل العصعص عند العجز، وهو العسيب من الدواب، وهو أول ما يخلق من الآدمي، وهو الذي يبقى منه ليعاد تركيب الخلق عليه، وإليه الإشارة بقوله: ("فيه يركب الخلق")، أي: عليه يتم وإليه يضاف الجمع إذا أعيد، وفي "البعث" (?) لابن أبي الدنيا من حديث أبي سعيد الخدري، قيل: يا رسول الله، ما العجب؟ قال: "مثل حبة خردل".
فإن قلت: ما فائدة إبقاء هذا العظم دون غيره؟ قلت: له سر فيه لا نعلمه؛ لأن من يظهر الوجود من العدم لا يحتاج إلى أن يكون لفعله شيء يبني عليه، فإن علل هذا فيجوز أن يكون الباري تعالى جعل ذلك للملائكة علامة على أن يحيي كل إنسان بجواهره بأعيانها، ولا يحصل العلم لهم بذلك إلا ببقاء عظم كل شيء؛ ليعلم أنه إنما أراد بذلك