لقيام البرهان على ان الله تعالى خالق الجوهر والعرض ثم يمضي في مسألته. والوجه الثاني هو ان يكون السائل مشغبا يقصد التشنيع والاغراء والتوبيخ ولا يقصد طلب حقيقة فهذا واجب ان يكسر فربه ويردع عيبه بمثل هذا فقط ولا يناظر باكثر من ذلك إذ الغرض كف فقط ولا يكف ضرره بمناظرة صحيحة أصلا فلا شيء أكف لضرره مما ذكرنا.

واعلم انه لا يجوز ان يصحح الشيء بنفسه البتة وجائز ان يبطل بنفسه، ولا تظن ان الاوائل التي منها يؤخذ البرهان صححت بأنفسها فتخطئ بل تلك اشياء قد ذكرنا ان الخلقة صححتها وانه لم يخل ذو الفهم قط من معرفة صحتها. ولا تظن أيضا ان إبطال الشيء بنفسه تصحيح له فتخطئ ولم يبطل بنفسه من اجل انه صحح ابطاله به فكان حينئذ يكون مصححا مبطلا وذلك محال، لكن لما ابطل بنفسه أيقنا انه باطل لأن الحق الصحيح لا يبطل أصلاً ولأنه نقض حكمه فكل ما انتقض فباطل. وليس قول من قال مبطلا للنظر: ان النظر لا يصح الا بالنظر، قولا صحيحا، لأن النظر الذي به تصح الاشياء هو ردها إلى المقدمات الأوائل التي قضى الطبع بصحتها فما رجعت إليها فشهدت له فهو صحيح وما لم يرجع إليها فهو فاسد، فهذا هو النظر الذي به تصح الاشياء لأن النظر إنما يصح بنظر آخر. واذا انقطع الحكم فقد انقطعت المناظرة فلهما حينئذ ان يبتدئا سؤالا ثانيا. وللمنقطع حينئذ ان يقول: انا اسألك سؤالا يتصل بمسألتنا والزمك انك قائل كقولي الذي انكرت علي. وليس للآخر أن يمتنع من ذلك فان امتنع فهذا متسلل ضعيف فان وفى الآخر بشرط فكلاهما ملوم ان لم يرجعا إلى الحق إذا عجز المسئول عن التفريق بين القولين، وكما نلوم من ظهر إليه برهان فتمادى على الباطل ولم يرجع [86 ظ] إلى موجب البرهان، فكذلك نلوم من سارع إلى القبول لما سمع بلا برهان، وكما نحمد من رجع إلى موجب البرهان فكذلك نحمد من ثبت على موجبه ولم يرجع لاقناع سمعه أو سفسطة؛ فان عجز عن كسرهما فحصل لمتناظرين (?) هذه المقدمات حمد من لم يعتقد الا ما اوجبه البرهان فقط.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015