والتكثير من الادلة قوة وليس عجزا الا جاهل منقطع. وحقق كل ما تسمعه من خصمك ولا تغفله وأقله ان أخطأ ولا تدع مشكلا الا وقفته عليه فإذا استقر سليما من النقص والاشكال فأجب حينئذ. وكل ما تطالب خصمك بذلك فالتزم له مثله سواء سواء. وبين سؤالك سليما عن النقص والاشكال. واياك وادخال ما ليس من المناظرة فهذا من فعل اهل الجنون أو من يريد ان يطيل الكلام حتى ينسي آخره اوله لينسى غلطه وسقطه. وتأمل مقدماته ومقدماتك وعكسك وعكسه ونتائجه ونتائجك فلا ترض لنفسك من خصمك الا بالحق الواضح.
واعلم انه ليس على المرء اكثر من نصر الحق وتبيينه ثم ليس عليه ان يصور للحواس أو في النفوس مالا سبيل إلى تصويره ولا مالا صورة له أصلاً كمن اثبت ان الواحد الأول لا جوهر ولا عرض ولا جسم ولا في زمان ولا في مكان ولا حاملا ولا محمولا فاراد الخصم منه ان يشكل له ذلك فهذا لا يلزم؛ وهذا كأعمى كلف بصيرا ان يصور له الالوان فهذا ما لا سبيل إليه، وهذا تكليف فاسد لا تنقص في العجز عنه على التكليف. واما ما دام ذلك ممكنا فواجب على المكلف بيانه بأقصى ما يقدر عليه. ولقد اخبرني مؤدبي أحمد بن محمد بن عبد الوارث رحمه الله أن أباه صور لمولود كان له أعمى ولد أكمه حروف الهجاء أجراما من قير ثم ألمسه اياها حتى وقف على صورها بعقلة وحسه، ثم ألمسه تراكبها وقيام الاشياء منها حتى تشكل الخط وكيف يستبان الكتاب ويقرأ في نفسه ورفع بذلك عنه غصة عظيمة. واما الالوان فلا سبيل إلى ذلك فيها وليس الا بما قام به البرهان وان لم يتشكل في النفس أصلاً.
ولقد امتحنت مرة ببعض اصدقائنا فانه سامنا ان نريه العرض منخولا عن الجوهر قائما بنفسه، وقال لي ان لم ترني ذلك فاني لا اصدق بالعرض. فلست احصي كم مثلث له تربيع ثم تدويره وذهاب [87 و] التربيع وبقاء الطين بحسبه، وحركات المرء من قيامه وقعوده وحمرة الثوب بعد بياضه، فأبى كل ذلك إلا ان أريه العرض مزالا عن الجوهر باقيا بحسبه يراه في غير جوهر، فلا أحصي كم قلت له: إن العرض لو قام بنفسه وكان كما تريد مني لم يكن عرضا وإنما هو