ولا زيادة فهو عاقل، وأما إذا كان بما أمكن بما أمكن من كذب ونافقة وتضييع فرض وظلم إنسان ومساعدة على باطل فهو ضد العقل بعد نهي الله تعالى الوارد علينا بذم هذه الحال ذما صحيحا. فكيف يكون عقلا ما يذمه العقل ويفسده وينهى عنه؟ ولم يوجد العقل ذاما لهذه الرذائل ولا ورد الامر من الله عز وجل قط الا بذمها. وكذلك ما ظنه آخرون من أن العقل المحمود الذي لا ينبغي خلافه التزام أزياء معهودة لا معنى له افليس إذا حصلته الا سخفا وجهلا وليس هذا من العقل في شيء. وبيان هذا مذكور في كتابنا في " أخلاق النفس والسيرة الفاضلة " وفي كتابنا في " السياسة " ان شاء الله عز وجل، والله تعالى الموفق لكل فضيلة.
واعلم انه لا يدرك الاشياء على حقائقها الا من جرد نفسه عن الاهواء كلها ونظر في الآراء كلها نظرا واحدا مستويا لا يميل إلى شيء منها، وفتش أخلاق نفسه بعقله تفتيشا لا يترك فيها من الهوى والتقليد شيئا ألبتة، ثم سلك بعقله الطريق التي وصفنا في هذا الديوان واجتنب ما عداها مما قد رأينا اعلام كل ذلك، فانه من فعل ما قلنا فضمان له ادراك الحقائق على وجوهها في كل مطلوب وقد نبه الله عز وجل على ذلك في عهود الينا فقال: {ان يتبعون الا الظن وما تهوى الانفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى} (23 النجم 53) وقال تعالى: {ان يتبعون الا الظن وان الظن لا ينبغي من الحق شيئا} . (28 النجم 53) وقال تعالى: {فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون احسنه اولئك الذين هداهم الله واولئك هم اولو الالباب} (18 الزمر 39) .
واعلم ان الناس الا من عصم الله تعالى، وقليل ما هم، يقبحون فعل من حكم بالهوى ويضللون من قلد ويبطلون التقليد وهم لا ينطقون بكلمة بعد هذا الا وهي راجعة إلى احد هذين الوجهين الخبيثين اللذين قد شهدوا بقبحهما وخطأ من اتبعهما؛ فتأمل هذا تجده كثيرا وكفى بذم الله تعالى هؤلاء إذ يقول: {لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله ان [82 و] تقولوا ما لا تفعلون} (2 - 3 الصف: 61) نعوذ بالله من مقته. الا انا نقول من احسن من وجه واساء من آخر افضل ممن اساء من كل وجه فهؤلاء ممقوتون لفعلهم خلاف