ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى عق والديه، فيقول: يوشك أن يَبَرَّهما. ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى أشرك، فيقول: أنت أنت، ويجيء هذا فيقول: لم أزل به حتى قتل، فيقول: أنت أنت ويُلْبِسُه التاج] (?).
وقوله: {يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا}.
خطاب الله لهم يوم القيامة، وقد وقفوا بين يديه أذلاء صاغرين. أي: ألم يأتكم في الدنيا - يا معشر الجن والإنس - رسل من بينكم {يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي} بالأمر والنهي {وَيُنْذِرُونَكُمْ} أي: يحذرونكم ويخوفونكم {لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا} - قال القاسمي: (وهو يوم الحشر الذي قد عاينوا فيه أفانين الأهوال).
فأجابوه سبحانه: {قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا}.
قال القرطبي: (أي: شهدنا أنهم بلغوا).
أي: أقررنا بمجيء الرسل وإقامتهم حجة الحق والوحي البالغة، وبتكذيب دعوتهم.
ثم قال سبحانه: {وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا}.
قال ابن كثير: (أي: وقد فرَّطوا في حياتهم الدنيا، وهلكوا بتكذيبهم الرسل، ومخالفتهم للمعجزات، لما اغترُّوا به من زخرف الحياة الدنيا وزينتها وشهواتها).
وقوله: {وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ}.
أي: شهدوا على أنفسهم أمام ربهم عز وجل في أرض المحشر، أنهم كانوا كافرين بالرسل وبما جاؤوا به من وحي الله العظيم.
وقوله تعالى: {ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ}.
أي: إن أمر الله بهلاك الأمم التي أهلكها لم يكن إلا بعد إعذارها بإرسال الرسل وإنزال الكتب، وإقامة حجة الوحي البالغة عليها، فإنه سبحانه لا يعاقب عباده إلا بعد بلوغهم دعوة الحق. كما قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} [الإسراء: 15].