في حمل الأمانة ولم يعظموا شعائره وأوامره، فقال جل ذكره: {وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (129)}.

وفيه أكثر من تفسير:

التفسير الأول: نولي بين الناس بأعمالهم، فالمؤمن ولي المؤمن والكافر ولي الكافر.

قال قتادة: (وإنما يولي الله بين الناس بأعمالهم، فالمؤمن ولي المؤمن أين كان وحيث كان، والكافر ولي الكافر أين كان وحيث كان. ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي).

التفسير الثاني: قيل بل معناه: نُتْبِعُ بعضهم بعضًا في النار، من الموالاة التي هي المتابعة بين الشيء والشيء. فعَن معمر: ({وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا}: قال: في النار يتبع بعضهم بعضًا).

التفسير الثالث: قيل بل المراد نسلط بعض الظلمة على بعض.

قال ابن زيد: ({وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا}: ظالمي الجن وظالمي الإنس، وقرأ: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36)}. قال: نسلط ظلمة الجن على ظلمة الإنس).

وجملة القول: إن الله عز وجل قد يسلِّط مردة الجن على عصاة المسلمين الذين يتجاوزون بعض ما حرم الله تكاسلًا أو تجاهلًا، فيسومونهم سوء العذاب، إذ يشاركونهم حياتهم وطعامهم وشرابهم، وينغِّصُون عليهم معيشتهم حتى يذوقوا الضنك الذي وعد الله به المعرضين عن ذكره وهديه بقوله في سورة [طه]: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا. . (124)}.

أخرج الإمام مسلم في صحيحه عن جابر، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: [إن إبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه، فأدناهم منه منزلة أعظمهم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئًا، ويجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله، فيدنيه منه ويقول: نِعْمَ أنت] (?).

وله شاهد عند ابن حبان بإسناد صحيح من حديث أبي موسى الأشعري، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: [إذا أصبح إبليس بثَّ جنوده، فيقول: من أضَلَّ اليوم مسلمًا ألبستُه التاج، فيخرجُ هذا فيقول: لم أزل به حتى طلق امرأته، فيقول: أوشك أن يتزوج.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015