فهذه الآية تبين أن للنبي - صلى الله عليه وسلم - أن يحكم باجتهاده، وقد استدل بها علماء الأصول على ذلك.

وفي الصحيحين عن أم سلمة: [أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سمع جَلبة خَصْمٍ بباب حُجْرَتِه، فخرج إليهم فقال: ألا إنما أنا بشر، وإنما أقضي بنحو ما أسمع، ولعل أحدكم أن يكون أَلْحَق بحجته من بعض فأقضي له، فمن قضيت له بحقِّ مسلم فإنما هي قطعة من نار فَلْيَحْمِلْها أو لِيَذَرها] (?).

وتفصيل هذا الحديث في مسند أحمد، قالت أم سلمة: [جاء رجلان من الأنصار يختصمان إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مواريثَ بينهما قد دَرَسَتْ، ليس عندهما بَيّنةٌ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنكم تختصمون إليّ، وإنما أنا بشر، ولعلَّ بعضكم أن يكون ألْحَنَ بحجته من بعض، وإنما أقضي بينكم على نحوٍ مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطعُ له قطعةً من النار، يأتي بها إسطامًا في عنقه يوم القيامة". فبكى الرجلان وقال كل منهما: حقِّي لأخي. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أما إذ قلتما فاذهبا فاقتسما، ثم توخَّيا الحق بينكما ثم اسْتهِمَا، ثم ليُحْلِلْ كل واحد منكما صاحبه] (?).

وقوله: {وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا}. فيه نهي عن الدفاع عن المبطل والمتَّهم في الجور والخصومة أو عضده والنيابة عنه.

وقوله: {وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا}.

قال ابن عطية: (وهذا ليس بذنب، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما دافع على الظاهر وهو يعتقد براءتهم). قيل: فالمعنى استغفر الله للمذنبين، وقيل: أمر بالاستغفار على طريق التسبيح. وقيل: الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم - والمراد بنو أبيرق، كقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ} وقوله: {فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ}، ذكره القرطبي.

وذهب ابن جرير إلى أن المخاطب النبي - صلى الله عليه وسلم - ليستغفر من ذنبه في خصام الخائن، وهذا مذهب من جوّز الصغائر على الأنبياء صلوات الله عليهم.

قلت: والعبد يحتاج إلى الاستغفار في كل أحواله، وكذلك الحاكم والعالم

طور بواسطة نورين ميديا © 2015