تصنيفه: "إذا استثنيت من جمل مختلفة لم يكن المستثنى إلا من الجملة التي تليه, نحو قوله {وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ {4} إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا} , فـ (الذين تابوا) مستثنى من الفاسقين لا غير, وحمله على أنه مستثنى من جميع الكلام خطأ ظاهر؛ لأنه لا يجوز أن يكون معمولًا لعاملين مختلفين, ويستحيل ذلك, ولأنك لو حملته على أنه مستثنى من جميع ما قبله لصار تقدير الكلام: فاجلدوهم ثمانين جلدة إلا الذين تابوا ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا إلا الذين تابوا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا" انتهى كلامه, وهو مخالف لما قاله المصنف.
وإنما أجاز المصنف أن يعود إلى الجميع لأن العامل عنده في المستثنى إنما هو إلا لا الأفعال السابقة المسلطة على المستثنى منهم, بخلاف قول المهاباذي, فإنه علل منهم ذلك بأنه لا يجوز أن يكون معمولًا لعاملين مختلفين, ويستحيل ذلك لأنه يفهم من كلامه أن المستثنى بعد إلا هو معمول لما هو عامل في المستثنى منهم, فلا يمكن أن تكون تلك العوامل جميعها عاملة في المستثنى.
والذي نختاره هو أن الجملة الأخيرة هي المستثني منها.
وأما تسوية المصنف الاستثناء بالشرك فليس بسديد؛ لأن الشرط ليس معمولًا لشيء قبله, بخلاف المستثنى, فإنه معمول لما قبله, وإن كانوا قد اختلفوا في العامل, وإذا كان كذلك ظهر الفرق بين الاستثناء والشرط, فلا يلحق به.
ومذهب أبي حنيفة أن الاستثناء راجع إلى المسند إليه الحكم في الجملة الأخيرة؛ ولا يجوز أن يعود إلى الجمل كلها, وهذه المسألة تكلم عليها في أصول الفقه وفيها خلاف وتفصيل مذكور في ذلك العلم.