والذي ينبغي أن يسلك في مقدار ما يخرج إنما هو ما سمع من لسان العرب؛ لأن هذه تراكب ينبغي أن يراعى فيها التركيب المسموع, والذي لا شك فيه أن المسموع من اللسان هو استثناء الأقل, ويبقى المستثنى منه بعد الإخراج أكثر من المستثنى, قال تعالى {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلاَّ خَمْسِينَ عَاما}، وقال تعالى {إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ {59} إِلاَّ امْرَأَتَهُ}، وقال تعالى {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ}، ولم يثبت من اللسان أن يكون المستثنى قدر المستثنى منه ولا أكثر؛ لأن ما استدلوا به محتمل, وإذا دخل الدليل الاحتمال سقط به الاستدلال.
وقد استدل بعض النحويين على هذا بأن قال: "إن الاستثناء في الموجب نظير الاستثناء في النفي, فكما أن المستثنى منه في النفي من نحو: ما قام أحد إلا زيد, وفي الاستفهام, نحو: هل قام أحد إلا زيدًا, ونحو ذلك - لا يكون ما يبقى بعد الاستثناء إلا أعم من المستثنى, فكذلك ينبغي أن يكون في الموجب, ويدل على صحة ما ذكرته أن أحدًا لا يجيز: قام زيد إلا عمرًا, وما قام زيد إلا عمرًا" انتهى.
وقوله والسابق بالاستثناء منه أولى من المتأخر عند توسط المستثنى مثال ذلك قوله تعالى {قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا. نِصْفَهُ}، فـ (إلا قليلًا) قد توسط بين الليل ونصفه, فهو مستثنى من الليل؛ لأن تأخر المستثنى منه هو الأصل, ولا يعدل عنه إلا بدليل.