آخر وقت العصر ما لم تصفر الشمس. وحجة من قال بهذا القول: حديث عبد اللَّه بن عمرو، عن النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنه قال: "وقت العصر ما لم تصفر الشمس"، رواه قتادة، عن أبي أيوب الأزديّ، عنه.
وقال إسحاق ابن راهويه: آخر وقت العصر أن يدرك المصلي منها ركعة قبل الغروب، وهو قول داود لكل الناس، معذور، وغير معذور، صاحب ضرورة، وصاحب رفاهية، إلا أن الأفضل عنده، وعند إسحاق أيضًا أول الوقت.
وقال الأوزاعي: إن ركع ركعة قبل غروبها، وركعة بعد غروبها فقد أدركها.
وحجتهم حديث أبي هريرة -رضي اللَّه عنه-: "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس، فقد أدرك العصر. . ." الحديث. انتهى خلاصة ما قاله ابن عبد البرّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- (?).
قال الجامع عفا اللَّه تعالى عنه: قد تبيّن مما سبق من الأقوال وأدلّتها أن أرجحها هو قول من قال: إن آخر وقت العصر غروب الشمس، فمن أدرك ركعة من العصر فقد أدرك العصر، وإنما كان هذا أرجح؛ لأنَّ الأدلة تجتمع به، فيُحْمَل حديث جبريل: "الوقت ما بين الوقتين"، وحديث: "ووقت العصر ما لم تصفر الشمس" على بيان وقت الاختيار، لا لاستيعاب وقت الاضطرار والجواز، وحديث: "من أدرك ركعة من العصر فقد أدرك العصر" على بيان وقت الاضطرار والجواز، وهذا الجمع هو الأولى من قول من قال: إن حديث جبريل منسوخ؛ لأنَّ النسخ لا يصار إليه مع إمكان الجمع، وكذا لا يصار إلى الترجيح، مع إمكانه، ويؤيد هذا الجمع، حديث: "تلك صلاة المنافق"، فمن كان معذورًا كان الوقت في حقه ممتدًا إلى الغروب، ومن كان غير معذور كان الوقت له إلى المثلين، وما دامت الشمس بيضاء نقية، فإن أخرها إلى الاصفرار، وما بعده كانت صلاته صلاة المنافق المذكورة في الحديث، أفاده الشوكانيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- (?)، واللَّه تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.