(الثالث): في هذه الآية ردّ على القدريّة، والمعتزلة، والإمامية؛ لأنهم يعتقدون أن إرادة الإنسان كافية في حدور أفعاله منه، طاعةً كانت أو معصية؛ لأن الإنسان عندهم خالق لأفعاله، فهو غير محتاج في صدورها عنه إلى ربه، وقد أكذبهم اللَّه تعالى في هذه الآية؛ إذ سألوه الهداية إلى الصراط المستقيم، فلو كان الأمر إليهم، والاختيار بيدهم دون ربهم، لَمَا سألوه الهداية، ولا كرّروا السؤال في كل صلاة، وكذلك تضرّعهم إليه في دفع المكروه، وهو ما يناقض الهداية، حيث قالوا: {صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}، فكما سألوه أن يَهديهم سألوه أن لا يُضِلَّهم، وكذلك يدعون، فيقولون: {رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا} الآية [آل عمران: 8]، ذكره القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- (?).
وقوله: ({غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ}) قرأ الجمهور بجرّ {غَيْرِ} على النعت، قال الزمخشريّ: وقُرئ بالنصب على الحال، وهي قراءة رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وعمر بن الخطاب، ورُويت عن ابن كثير، وذو الحال الضمير في {عَلَيْهِمْ}، والعامل {أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} ممن تقدم وصفُهُم ونعتهم، وهم أهل الهداية والاستقامة، والطاعة للَّه ورسله، وامتثال أوامره، وترك نواهيه وزواجره، غير صراط المغضوب عليهم، وهم الذين فسدت إرادتهم، فعلموا الحقّ، وعَدَلوا عنه، ولا صراط الضالين، وهم الذين فَقَدوا العلم، فهم هائمون في الضلالة، لا يهتدون إلى الحقّ، وأكّد الكلام بـ "لا"؛ ليدُلّ على أن ثَمّ مسلكين فاسدين، وهما طريقة اليهود والنصارى.
وقد زعم بعض النحاة أن {غَيْرِ} ها هنا استثنائية، فيكون على هذا منقطعًا لاستثنائهم من المنعم عليهم، وليسوا منهم، وما أوردناه أولى؛ لقول الشاعر [من الوافر]:
كَأَنَّكَ مِنْ جِمَالِ بَنِي أُقَيْشٍ ... يُقَعْقَعُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ بِشَنِّ
أي كأنك جمل من جمال بني أقيش، فحَذَف الموصوفَ، واكتَفَى بالصفة؛ وهكذا {غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ}: أي غير صراط المغضوب عليهم اكتَفَى