والمعنى: دُلّنا على الصراط المستقيم، وأرشدنا إليه، وأرنا طريق هدايتك الموصلة إلى أُنسك وقُربك، قال بعض العلماء: فجعل اللَّه -عَزَّ وَجَلَّ- عُظْمَ الدعاء، وجملته موضوعًا في هذه السورة، نصفها فيه مجمع الثناء، ونصفها فيه مجمع الحاجات، وجعل هذا الدعاء الذي في هذه السورة أفضل من الذي يدعو به الداعي؛ لأن هذا الكلام قد تكلّم به ربّ العالمين، فأنت تدعو بدعاء هو كلامه الذي تكلّم به.

وفي الحديث: "ليس شيء أكرم علي اللَّه من الدعاء" (?)، وقيل: المعنى: أرشدنا باستعمال السنن في أداء فرائضك، وقيل: الأصل فيه الإمالة، ومنه قوله تعالى: {إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ} [الأعراف: 156]: أي مِلْنا، وخرج -صلى اللَّه عليه وسلم- في مرضه يُهادى بين رجلين: أي يتمايل، ومنه الهديّة؛ لأنَّها تُمال من ملك إلى ملك، ومنه الْهَدْيُ للحيوان الذي يُساق إلي الحرم.

فالمعنى: مِلْ بقلوبنا إلى الحقّ.

وقال الفضيل بن عياض: الصراط المستقيم: طريق الحجّ، وهذا خاصّ، والعموم أولى.

وقال محمد ابن الحنفيّة: هو دين اللَّه الذي لا يُقبَل من العباد غيره.

وقال عاصم الأحول، عن أبي العالية: الصراط المستقيم: هو رسول اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وصاحباه من بعده، قال عاصم: فذكرت للحسن، فقال: صدق ونصح. انتهى كلام القرطبيّ باختصار (?).

وقال الحافظ ابن كثير -رَحِمَهُ اللَّهُ-: لمَّا تقدم الثناءُ علي المسؤول تبارك وتعالى، ناسب أن يُعَقَّب بالسؤال، كما قال: "فنصفُها لي، ونصفها لعبدي، ولعبدي ما سأل"، وهذا أكمل أحوال السائل أن يَمْدح مسؤوله، ثم يسأل حاجته، وحاجة إخوانه المؤمنين بقوله: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}؛ لأنه أنجح للحاجة، وأنجع للإجابة، ولهذا أرشد اللَّه إليه؛ لأنه الأكمل، وقد يكون السؤال بالإخبار عن حال السائل واحتياجه، كما قال موسي -عَلَيْهِ السَّلَامْ-: {رَبِّ إِنِّي

طور بواسطة نورين ميديا © 2015