لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ} [القصص: 24]، وقد يتقدمه مع ذلك وصف مسؤول، كقول ذي النون: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} [الأنبياء: 87]، وقد يكون بمجرد الثناء على المسؤول، كقول الشاعر [من الوافر]:
أَأَذْكُرُ حَاجَتِي أَمْ قَدْ كَفَانِي ... حَيَاؤُكَ إِنَّ شِيمَتَكَ الْحَيَاءُ
إِذَا أَثْنَى عَلَيْكَ المَرْءُ يَوْمًا ... كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ
والهداية هاهنا الإرشاد والتوفيق، وقد تُعَدَّى الهداية بنفسها كما هنا: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ}، فتَضَمَّن معنى ألهمنا، أو وفِّقنا، أو ارزقنا، أو أعطنا، {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} [البلد: 10]، أي بَيَّنّا له الخير والشر، وقد تُعَدَّى بـ "إلى"، كقوله تعالى: {اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [النحل: 121]، {فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ} [الصافات: 23]، وذلك بمعني الإرشاء والدلالة، وكذلك قوله: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52]، وقد تُعَدَّى باللام، كقول أهل الجنة: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} [الأعراف: 43]: أي وفَّقَنا لهذا، وجعلنا له أهلًا.
وأما الصراط المستقيم، فقال الإمام أبو جعفر بن جرير: أجمعت الأمة من أهل التأويل جميعًا، على أن الصراط المستقيم هو الطريق الواضح الذي لا اعوجاج فيه، وحصذلك ذلك في لغة جميع العرب، فمن ذلك قول جرير بن عطية الْخَطَفَى [من الوافر]:
أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى صِرَاطٍ ... إِذَا اعْوَجَّ الْمَوَارِدُ مُسْتَقِيمِ
قال: والشواهد على ذلك أكثر من أن تحصر، قال: ثم تستعير العرب الصراط، فتستعمله في كل قول وعمل وُصِف باستقامة، أو اعوجاج، فتصف المستقيم باستقامته، والمعوَجَّ باعوجاجه.
ثم اختلفت عبارات المفسرين من السلف والخلف في تفسير الصراط، وإن كان يرجع حاصلها إلى شيء واحد، وهو المتابعة للَّه تعالى، وللرسول -صلى اللَّه عليه وسلم-، فرُوي أَنَّه كتاب اللَّه، وقيل: هو الإسلام، وقيل: الحقُّ قال: وهذا أشمل، ولا منافاة بينه وبين ما تقدم، وذَكَرَ ما تقدّم في كلام القرطبيّ، إلَّا قول فضيل: إنه طريق الحجّ.
ثم قال: وكلّ هذه الأقوال صحيحة، وهي متلازمة، فإن من اتّبع النبيّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، واقتدى باللذين من بعده: أبي بكر وعمر، فقد اتّبع الحقّ، ومن اتّبع