بعضهم دعوى باطلة، وهذا كله ينقطع في ذلك اليوم، هذا معناه، وإلا فاللَّه -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى- هو المالك، والْمَلِك على الحقيقة للدارين، وما فيهما، ومن فيهما، وكلُّ مَن سواه مربوبٌ له عبدٌ مُسَخَّرٌ، ثم في هذا الاعتراف من التعظيم والتمجيد، وتفويض الأمر ما لا يخفى. انتهى.
(فَإِذَا قَالَ: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}) أي نخضع، ونتذلّل لك، وقرأ السبعة بتشديد الياء من {إِيَّاكَ}، وقرأ عمر بن فائد بتخفيفها مع الكسر، وهي قراءة شاذّة مردودة؛ لإن "إيَا" ضوء الشمس، وقرأ بعضهم "أَيّاك" بفتح الهمزة، وتشديد الياء، وقرأ بعضهم "هِيّاك" بالهاء بدل الهمزة.
قال القرطبيّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: رجع من الغيبة إلى الخطاب على التلوين؛ لأنه من أوّل السورة إلى هنا خبر عن اللَّه تعالى، وثناءٌ عليه، و {نَعْبُدُ} معناه: نُطيع، والعبادة: الطاعة والتذلّل، وطريقٌ مُعَبَّدٌ إذا كان مُذلَّلًا للسالكين، قاله الهرويّ.
ونُطق المكلّف به إقرار بالربوبيّة، وتحقيق لعبادة اللَّه تعالى؛ إذ سائر الناس يعبدون سواه من أصنام وغير ذلك. انتهى.
وقال ابن كثير -رَحِمَهُ اللَّهُ-: والعبادة في اللغة من الذّلّ، يقال: طريقٌ مُعَبَّدٌ: أي مُذلَّلٌ، وفي الشرع: عبارة عما يَجمع كمال المحبّة والخضوع والخوف. انتهى.
({وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}) أي نسألك العون، وهو بفتح النون في قراءة الجميع إلَّا يحيى بن وَثّاب، والأعمش، فإنهما كسراها، وهي لغة بني أسد، وربيعة، وبني تميم: أي نطلُبُ العون والتأييد والتوفيق.
وقُدّم المفعول، وهو "إيّاك"، وكُرّر؛ للاهتمام والحصر؛ أي لا نعبد إلَّا إياك، ولا نتوكّل إلَّا عليك، وهذا كمال الطاعة، والدينُ كلّه يرجع إلى هذين المعنيين، وهذا كما قال بعض السلف: الفاتحة سرّ القرآن، وسرّها هذه الكلمة: {إِيَّاكَ نَعبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}، فالأوّل تبرّؤ من الشرك، والثاني تبرّؤ من الحول والقوّة، وتفويض إلى اللَّه -عَزَّ وَجَلَّ-، قاله ابن كثير -رَحِمَهُ اللَّهُ-.
وقال أبو جعفر الطبريّ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: تأويل قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ}: لك اللَّهمّ نخشع، ونَذِلّ، ونستكين؛ إقرارًا لك يا ربّنا بالربوبيّة، لا لغيرك.
ومعنى: {وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}: وإياك ربّنا نستعين على عبادتنا إياك، وطاعتنا لك، وفي أمورنا كلّها، لا أحد سواك؛ إذ كان من يكفر بك يستعين في أموره