شمس، وغروبها، وغيبيوبة شفقها، وهذا لا يُتصور إلا بتحقق تعدد الأيام
والليالي على وجه الحقيقة، وهو مفقود، فالتحقيق ما قاله الشيخ التوربشتيّ - رحمه الله -
وهو أنه يشكل من هذا الفصل قوله: "يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة
- مع قوله -: وسائر أيامه كأيامكم"، ولا سبيل إلى تأويل امتداد تلك الأيام
علي أنها وصفت بالطول والامتداد؛ لِمَا فيها من شدّة البلاء، وتفاقم البأساء
والضراء؛ لأنهم قالوا: "يا رسول الله فذلك اليوم الذي كسنة أيكفينا فيه صلاة
يوم؟ قال: لا ... " الحديث، فنقول - وبالله التوفيق، ومنه المعونة في
التحقيق -: قد تبين لنا بإخبار الصادق المصدوق - صلوات الله تعالى وسلامه
عليه - أن الدجال يُبحث معه من الشبهات، ويفيض على يديه من التمويهات،
ما يسلب عن ذوي العقول عقولهم، ويخطف من ذوي الأبصار أبصارهم، فمن
ذلدث تسخير الشياطين له، ومجيئه بجنة ونار، وإحياء الميت على حسب ما
يدعيه، وتقويته على من يريد إضلاله تارة بالمطر والعشب، وتارة بالأزمة
والجدب، ثم لا خفاء بأنه أسحر الناس، فلم يستقم لنا تأويل هذا القول، إلا
أن نقول إنه يأخذ بأسماع الناس، وأبصارهم حتى يُخَيَّل إليهم أن الزمان قد
استمرّ على حالة واحدة، إسفار بلا ظلام، وصباح بلا مساء، يحسبون أن الليل
لا يَمُدّ عليهم رُواقه، وأن الشمس لا تَطْوِي عنهم ضياءها، فيبقون في حيرة،
والتباس من امتداد الزمان، ويدخل عليهم دواخل باختفاء الآيات الظاهرة في
اختلاف الليل والنهار، فأمرهم أن يجتهدوا عند مصادفة تلك الأحوال،
وَيقْدروا لكل صلاة قَدْرها إلى أن يكشف الله عنهم تلك الغمة، هذا الذي
اهتدينا إليه من التأويل، والله الموفق لإصابة الحقّ.
وفي "شرح مسلم" للنوويّ - رحمه الله -: قالوا: هذا على ظاهره، وهذه الأيام
الثلاثة طويلة على هذا القَدْر المذكور في الحديث، يدل عليه قوله: "وسائر
أيامه كأيامكم"، وأما قوله: "اقدروا له قدره" فقال القاضي عياض وغيره: هذا
حكم مخصوص بذلك اليوم، شَرَعه لنا صاحب الشرع، قالوا: ولولا هذا
الحديث، ووُكلنا إلى اجتهادنا اقتصرنا على الصلاة عند الأوقات المعروفة في
غيره من الأيام، ومعناه: إذا مضى بعد طلوع الفجر قَدْر ما يكون بينه وبين الظهر
في كل يوم، فصلّوا الظهر، ثم إذا مضى بعده قَدْر ما يكون بينها وبين العصر،