(وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ، فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ) قال النوويّ: قال الشافعيّ، وسائر
العلماء: معناه لا يكون كسرى بالعراق، ولا قيصر بالشام، كما كان في
زمنه - صلى الله عليه وسلم -، فأعلم - صلى الله عليه وسلم - بانقطاع مُلكهما في هذين الإقليمين، وكان كما قال.
فأما كسرى فانقطع مُلكه، وزالت مملكته من جميع الأرض، وتمزق مُلكه
كلَّ مُمَزَّق، واضمحلّ بدعوة النبيّ - صلى الله عليه وسلم -.
وأما قيصر فانهزم من الشام، ودخل أقصى بلاده، فافتتح المسلمون
بلادهما، واستقرت للمسلمين، ولله الحمد، وأنفق المسلمون كنوزهما في
سبيل الله، كما أخبر - صلى الله عليه وسلم -، وهذه معجزات ظاهرة. انتهى (?).
ونقل القاضي عياض ذلك عن أهل العلم، والحديثُ المشار إليه في
تفريق مُلك كسرى، رواه البخاريّ في "صحيحه" عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: "أن
النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حُذافة السهميّ، فأمره أن يدفعه
إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه مزّقه- فحسبت
أن ابن المسيِّب قال-: فدعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يمزَّقوا كلَّ مُمَزَّق".
وحَكَى القاضي أبو بكر ابن العربيّ في معناه قولين:
أحدهما: أن معناه: لا يعود للروم، ولا للفرس مُلك، قال: وهذا يصح
في كسرى، وأما الروم فقد أنبأ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ببقاء مُلكهم إلى نزول عيسى عليه السلام،
وقد سبق حديث المستورد بن شدّاد القرشي - رضي الله عنه -، أنه قال: سمعت
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "تقوم الساعة، والروم أكثر الناس".
القول الثاني: أن معناه: إذا هلك كسرى وقيصر فلا يكون بعدهما
مثلهما، قال: وكذلك كان، وهذا أعمّ، وأتمّ.
قال وليّ الدين: ومما انقرض، ولم يَعُدْ بقاؤه اسم قيصر؛ لأن ملوك
الروم لا يُسَمَّون الآن بالأقاصرة، وذهب ذلك الاسم عن ملكهم، فصدق أنه لا
قيصر بعده ذلك الأول، وظهر بذلك أن قوله: "لا كسرى" على ظاهره مطلقًا،
وأما قوله: "لا قيصر" ففيه أربع احتمالات: لا قيصر بالشام، لا قيصر كما
كان، لا قيصر في الاسم، لا قيصر مطلقًا، ولا يصح هذا الرابع؛ لمخالفته