فقال: قوله: "غلط ابن قتيبة ... إلخ" ابن قتيبة يُعرف بخطيب أهل
السُّنَّة، وله جهود في الردّ على الزنادقة والمعتزلة، كما في "تأويل مختلف
الحديث" به، وما ذهب إليه ابن قتيبة رحمه الله من إثبات الصورة لله عزوجل، وأنها
ليست كصورة أحد من الخلق هو مذهب جميع أهل السُّنَّة المثبتين لكل ما أثبته
لنفسه، وأثبته له رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فكما يقولون: له وجه لا كوجوه المخلوقين،
يقولون: له صورة لا كصور المخلوقين، وقد دلّ على إثبات الصورة لله عزوجل
قوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الطويل: "وتبقى هذه الأمة وفيها منافقوها، فيأتيهم الله في
الصورة التي يعرفونه بها"، وهو نصّ صريح، لا يَحْتَمِل، فلهذا لم يخالف أحد
من أهل السُّنَّة في دلالته.
وأما حديث: "فإن الله خلق آدم على صورته" فقد استدلّ به أكثر أهل
السُّنَّة على إثبات الصورة أيضًا، وردّوا الضمير إلى الله تعالى، وأيّدوا ذلك
برواية من رواه بلفظ: "على صورة الرحمن"، ومن ردّ الضمير إلى آدم عليه السلام، أو
المقَاتَل، وقَصْده نفي الصورة عن الله عزوجل فهو جهميّ، كما قال الإمام
أحمد رحمه الله، ونفي الصورة هو مذهب الجهميّة، والمعتزلة، ومن تبعهم من
الأشاعرة، والماتريديّة، ومنشأ ذلك هو توهّم التشبيه في صفات الله تعالى،
فزعموا أن إثبات الصورة، أو الوجه، أو اليدين، ونحو ذلك يستلزم التشبيه
بالمخلوقات، وهي حجة داحضة، وطردها يسلتزم نفي وجود الله سبحانه وتعالى.
ومن ردّ من أهل السُّنَّة الضمير إلى آدم عليه السلام، وضعّف رواية: "على صورة
الرحمن"، فليس مقصوده التوصل إلى نفي الصورة عن الله عزوجل، وليس من
مذهبه ذلك، بل رأى لفظ هذا الحديث: "خلق الله آدم على صورته" مُحْتَمِلًا،
فترجّح عنده عود الضمير إلى آدم، أو إلى الْمُقاتَلِ، وهو منازَع في تضعيفه
لتلك الرواية، وفي هذا الترجيح.
وبهذا يتبيّن أن إثبات الصورة لله عزوجل لا يتوقّف على دلالة حديث:
"خلق الله آدم على صورته"، ونقول: بل غَلِط المازريّ عفا الله عنه، ولم يَغْلَط
ابن قتيبة رحمه الله. انتهى كلام البرّاك حفظه الله تعالى (?).