لفظه لفظ الخبر، ومعناه: الطلب، يدل عليه قوله: "لا تجعلني".
ووجه كونه أشقى أن الذي يُشاهد ما يُشاهده، ولا يَصِل إليه يصير أشدّ حسرةً ممن لا يشاهد، ولفظ البخاريّ هنا: "يا رب لا تجعلني أشقى خلقك"، والمراد بالخلق هنا مَن دَخَلَ الجنة، فهو لفظ عامّ أُريد به خاص، ومراده أنه يصير إذا استمرّ خارجًا عن الجنة أشقاهم، وكونه أشقاهم ظاهر، لو استمر خارج الجنة، وهم من داخلها.
قال الطيبيّ - رحمه الله -: معناه: يا رب قد أعطيتُ العهد والميثاق، ولكن تفكرتُ في كرمك ورحمتك، فسألت. انتهى (?).
(فَلَا يَزَالُ يَدْعُو اللهَ حَتَّى يَضْحَكَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْهُ) قال النوويّ: قال العلماء: ضَحِك الله تعالى منه هو رضاه بفعل عبده، ومحبته إياه، وإظهار نعمته عليه، وإيجابها عليه. انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: مراد النوويّ بقوله: العلماء علماء الأشاعرة المتأخّرون، لا علماء السلف، كما يعترف به هو في مواضع كثيرة من شرحه بأن هذا مذهب الخلف، وأما مذهب السلف فبعيد عن التأويل، فظهر بهذا أن تأويله هذا، وقد سبقه المازريّ والقاضي عياض، والقرطبيّ غير صحيح، والحقّ الذي عليه السلف أن صفة الضحك ثابتة لله تعالى حقيقةً على ما يليق بجلاله وعظمته، بلا تكييف، ولا تشبيه مع تنزيهه - سبحانه وتعالى - عن مشابهة المخلوقين، وقد نقل نحو هذا البيهقيّ عن متقدّمي الأشاعرة أيضًا (?).
وقال الإمام ابن خزيمة - رحمه الله -: "ذِكرُ إثبات ضحك ربنا - عز وجل - بلا صفة تصف ضحكه جلّ ثناؤه، ولا يُشبّه ضحكه بضحك المخلوقين، بل نؤمن بأنه يضحك، كما أعلم النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، ونسكت عن صفة ضحكه جلّ وعلا؛ إذ الله - عز وجل - استأثر بصفة ضحكه، لم يُطلعنا على ذلك، فنحن قائلون بما قال به النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، مصدّقون بذلك بقلوبنا، منصتون عما لم يُبيَّن لنا مما استأثر الله تعالى بعلمه. انتهى كلامه - رحمه الله - (?)، وهو تحقيق نفيسٌ جدًّا، فتمسّك به تكن من المفلحين، والله تعالى أعلم.