قال: وذكر ابن المُنَيِّر رَحِمَهُ اللهُ في مناسبة لقاء إبراهيم في السماء السابعة معنىً لطيفًا زائدًا، وهو ما اتَّفَقَ له - صلى الله عليه وسلم - من دخول مكة في السنة السابعة، وطوافه بالبيت، ولم يَتَّفِق له الوصول إليها بعد الهجرة قبل هذه، بل قَصَدَها في السنة السادسة فصَدُّوه عن ذلك.

وقال ابن أبي جمرة رَحِمَهُ اللهُ: الحكمة في كون آدم في السماء الدنيا؛ لأنه أول الأنبياء، وأول الآباء، وهو أصل، فكان أوّلًا في الأولى، ولأجل تأنيس النبوة بالأبوة، وعيسى في الثانية؛ لأنه أقرب الأنبياء عهدًا من محمد - صلى الله عليه وسلم -، ويليه يوسف، لأن أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - تدخل الجنة على صورته، وإدريس في الرابعة؛ لقوله: {وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (57)} [مريم: 57]، والرابعة من السبع وسط معتدل، وهارون لقربه من أخيه موسى، وموسى أرفع منه؛ لفضل كلام الله، وإبراهيم؛ لأنه الأب الأخير، فناسب أن يتجدد للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - بِلُقِيِّه أنس، لتوجهه بعده إلى عالم آخر، وأيضًا فمنزلة الخليل تقتضي أن تكون أرفع المنازل، ومنزلة الحبيب أرفع من منزلته، فلذلك ارتفع النبيّ - صلى الله عليه وسلم - عن منزلة إبراهيم إلى قاب قوسين أو أدنى، والله تعالى أعلم.

14 - (ومنها): أنه استُدِلَّ به على أن الملائكة أكثر المخلوقات؛ لأنه لا يُعْرَف من جميع العوالم مَن يتجدد من جنسه في كل يوم سبعون ألفًا ما ثَبَت عن الملائكة في هذا الخبر.

15 - (ومنها): أن قوله: "فنُودِيتُ: أني قد أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي، وجعلت الحسنة بعشرة أمثالها" من أقوى ما استُدِلّ به على أن الله سبحانه وتعالى كَلَّم نبيه محمدًا - صلى الله عليه وسلم - ليلة الإسراء بغير واسطة.

16 - (ومنها): أن التجربة أقوى في تحصيل المطلوب من المعرفة الكثيرة، يستفاد ذلك من قول موسى عليه السلام للنبيّ - صلى الله عليه وسلم -: إنه عالج الناس قبله وجَرّبهم.

17 - (ومنها): أنه يستفاد منه تحكيم العادة، والتنبيه بالأعلى على الأدنى؛ لأن مَن سَلَفَ من الأمم كانوا أقوى أبدانًا من هذه الأمة، وقد قال موسى عليه السلام في كلامه: إنه عالجهم على أقلَّ من ذلك، فما وافقوه، أشار إلى ذلك ابن أبي جمرة رَحِمَهُ اللهُ، قال: ويستفاد منه أن مقام الخلّة مقام الرضا

طور بواسطة نورين ميديا © 2015