12 - (ومنها): ما قيل: الحكمة في تخصيص فرض الصلاة بليلة الإسراء أنه - صلى الله عليه وسلم - لَمّا عُرِج به رأى في تلك الليلة تعبُّد الملائكة، وأن منهم القائم فلا يقعد، والراكع فلا يسجد، والساجد فلا يقعد، فجمع الله له ولأمته تلك العبادات كلها في كل ركعة يصليها العبد بشرائطها من الطمأنينة والإخلاص، وفي اختصاص فرضيتها بليلة الإسراء إشارة إلى عظيم شأنها، ولذلك اختص فرضها بكونه بغير واسطة، بل بمراجعات تعددت على ما سبق بيانه، والله تعالى أعلم (?).
13 - (ومنها): أنه قد اختُلِف في الحكمة في اختصاص كل من الأنبياء عليهم السلام بالسماء التي التقاه بها النبيّ - صلى الله عليه وسلم -، فقيل: ليظهر تفاضلهم في الدرجات، وقيل: لمناسبة تتعلق بالحكمة في الاقتصار على هؤلاء دون غيرهم من الأنبياء، فقيل: أُمروا بملاقاته، فمنهم من أدركه في أول وهلة، ومنهم من تأخر فلحق، ومنهم من فاته، وهذا زَيّفه السهيليّ، فأصاب، وقيل: الحكمة في الاقتصار على هؤلاء المذكورين للإشارة إلى ما سيقع له - صلى الله عليه وسلم - مع قومه من نظير ما وقع لكل منهم، فأما آدم فوقع التنبيه بما وقع له من الخروج من الجنة إلى الأرض، بما سيقع للنبيّ - صلى الله عليه وسلم - من الهجرة إلى المدينة، والجامع بينهما ما حصل لكل منهما من المشقة، وكراهة فراق ما أَلِفَه من الوطن، ثم كان مآل كلّ منهما أن يرجع إلى موطنه الذي أخرج منه، وبعيسى ويحيى على ما وقع له في أول الهجرة من عداوة اليهود، وتماديهم على البغي عليه، وإرادتهم وصول السوء إليه، وبيوسف على ما وقع له من إخوته، من قريش في نصبهم الحرب له، وإرادتهم هلاكه، وكانت العاقبة له، وقد أشار إلى ذلك بقوله لقريش يوم الفتح: "أقول كما قال يوسف: {لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ} [يوسف: 92] "، وبإدريس على رَفِيع منزلته عند الله، وبهارون على أن قومه رَجِعوا إلى محبته بعد أن آذوه، وبموسى على ما وقع له من معالجة قومه، وقد أشار إلى ذلك بقوله: "لقد أوذي موسى بأكثر من هذا، فَصَبَر"، وبإبراهيم في استناده إلى البيت المعمور بما خُتِم له - صلى الله عليه وسلم - في آخر عمره، من إقامة منسك الحج، وتعظيم البيت، وهذه مناسبات لطيفة أبداها السهيليّ، وأوردها الحافظ في "الفتح" مُنَقَّحةً مُلَخَّصَةً.