الإيمان أجلُّ منها، ولذلك قُرِنت معه، ويؤيده قوله تعالى: {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: 269].
9 - (ومنها): أن هذه القصة، قد اشتَمَلت من خوارق العادة على ما يُدْهِش سامعه فضلًا عمن شاهده، فقد جَرَت العادة بأن مَن شُقّ بطنه، وأُخرج قلبه يموت لا محالةَ، ومع ذلك فلم يؤثِّر في النبيّ - صلى الله عليه وسلم - ذلك ضررًا ولا وجعًا، فضلًا عن غير ذلك.
10 - (ومنها): ما قال ابن أبي جمرة رَحِمَهُ اللهُ: الحكمة في شقّ قلبه مع القدرة على أن يمتلئ قلبه إيمانًا وحكمةً بغير شقّ الزيادة في قوّة اليقين؛ لأنه أُعطي برؤية شقّ بطنه، وعدم تأثّره بذلك ما أَمِنَ معه من جميع المخاوف العادية، فلذلك كان أشجع الناس، وأعلاهم حالًا ومقالًا، ولذلك وُصِف بقوله تعالى: {مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (17)} [النجم: 17].
[تنبيه]: اختُلِف، هل كان شق صدره - صلى الله عليه وسلم - وغسله مختصًّا به - صلى الله عليه وسلم - أو وقع لغيره من الأنبياء عليه السلام؟ وقد وقع عند الطبراني في قصة تابوت بني إسرائيل أنه كان فيه الطست التي يُغسَل فيها قلوب الأنبياء، وهذا مشعر بالمشاركة، ونظير هذا البحث في ركوبه البراق، قاله في "الفتح" (?)، ويحتاج إلى صحّة ما عزاه إلى الطبرانيّ، فإن صحّ فقد ارتفع النزاع، والله تعالى أعلم.
11 - (ومنها): ما قال القرطبيّ رَحِمَهُ اللهُ: الحكمة في تخصيص موسى عليه السلام بمراجعة النبيّ - صلى الله عليه وسلم - في أمر الصلاة، لعلها لكون أمة موسى كُلِّفت من الصلوات بما لم يُكلّف به غيرها من الأمم، فثَقُلت عليهم، فأشفق موسى على أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - من مثل ذلك، ويشير إلى ذلك قوله: "إني قد جَرّبت الناس قبلك". انتهى.
قال الجامع عفا الله عنه: يدلّ لقوله: "لكون أمة موسى ... إلخ" ما جاء في رواية النسائيّ من طريق يزيد بن أبي مالك، عن أنس - رضي الله عنه -، وفيه: "فإنه فَرَض على بني إسرائيل صلاتين، فما قاموا بهما ... " الحديث.
وقيل في وجه الحكمة غير ذلك (?)، مما لا ينشرح له الصدر، فيكفي هذا، والله تعالى أعلم.